زفر «آريان» زفيرًا حارًا وهو يتمتم:
-مش عارف، إحنا غلطنا كتير يا لينا، غلطات ورثناها من أهالينا، إنتي شجعتيني إننا نبدأ حياة نضيفة، بعد ما كنتي أتعودتي على شغلنا وحياتنا.
إبتسمت بألم وهي تهمس:
-لما أبويا قتـ,ـل أمي، وقتهـا فوقت، فوقـت من إللي كنت أنا فيه، مـ,ـوت أمي كسرني بس فوقنـي يا آريان.
سألها بوجهٍ جامد الملامح:
-ومراد، ناوية بردو تقوليله؟!..
ردت عليه بحذرٍ وقد ظهر الارتباك في نبرتها:
-آه طبعًا، على الأقل يعرف إني كويسة، مش وحشة زي ما هو شايفني، هو شايفني دلوقتي شيطانـة، وأنا مش كدا.
بدا صوته عميقًا وهو يسألها بنفس الجدية:
-تفتكري لما تقوليله كل حاجة هترجع زي ما هي؟!.. أحب أقولك يا لينا قصتك إنتي ومراد مش هتبقى بالسهولة إللي إنتي متخيلاهـا، في عواقب كتير هتقف قدامكم.
ابتلعت ريقها قائلة بنظرات متوترة ووجه قد شحبت حمرته قليلاً:
-زي إيـه؟!..
التوى ثغره للجانب معلقًا:
-مش هقدر أقولك، هتعرفي لوحدك.
اشتدت نبرته قوة وهو يخاطبهـا بهدوء:
-لينا، عاوزك تفضلي متأكدة إنك لو في يوم من الأيام أحتجتيني هتلاقيني، آه إحنا لازم نختفي بعد العملية ومنتقابلش مؤقتًا، عشان الأمان، لكن يوم ما أعرف إنك عوزاني هتلاقيني جنبك على طول.
لتهتف هي بصوت مخنوق:
-تقريبًا إنت الحاجة الوحيدة إللي طلعت بيهـا من حياتي في المكان ده الـ(...).
سكت ولم يرد فأكملت هي مغلقة الموضوع:
-أنا هقوم أستعد يا آريان، لازم أكون في المطار بعد ساعة.
نهض من مكانــه بكل هدوء، ثم توجه نحو باب الغرفة يفتحه، ألتفت لها برأسه وهو يهتف لهـا بإبتسامة صغيرة:
-خدي بالك من نفسك.
حركت رأسهـا بالإيجاب وهي تبادله إبتسامة صغيرة حزينة، فهذا آخر لقاء بينهمـا، لمعت عيناها بالدموع وهي تراه يخرج، لتسحب نفسًا عميقًا تزفره بحــ,,ـرقة واضحة، همست بخفوت حازم محاولة أن تبث الطمأنينة بداخلها:
-هـانت.
*****
كان جالسًا بداخل غُرفتهُ ومازال يفكر بهــا، تمطع بعنقهُ للجانبين في نظرات تحمل الضيق، وهبّ واقفًا ونزع قميصهُ عنهُ وأرتدى قفازات اليدين الخاصّة بمُلاكمة، وتوجّه نحو غُرفته الرياضية قاصدًا نحو وسادة مُلاكمة ضخمة تنسدل بحبل من السقف، وبدأ يسدد ضــ,,ـربات قوية وهو يهتف بغضــ,,ـب مكبوت:
-ليـه؟! .. ليـه يا لينا؟!.. ليـــــــــه؟!..
بعد دقائق ليست بقليلة.. توقف «مراد» عن سد اللكمات، وأصبح وجهه يتصبب عرقًا غزيرًا من فرط المجهود، تحرك نحو خارج الغُرفة الرياضية متوجهًا نحو غُرفة نومه ليجلس على الأريكة وهو يمسح على شعرهُ الغزير، أظــ,,ـلمت عينيـه بوميض قاسٍ وهو يتمتم:
-أنا آسف يا لينا، إنتي إللي أضطرتيني أعمل كدا.
*****
هبطت «لينا» إلى الأسفل بخطوات ثابتة واثقة، ضيقت عينيهــا وهي ترفع حاجبهـا للأعلى بتهكم، وصلت إلى الأسفل وهي ترى والدهــا يتقدم نحوهــا بغروره العالي الذي يكاد أن يحطم السقف، وقف قبالتهـا وهو يتمتم بإبتسامة ماكرة:
-تعرفي طول عمري كنت بتمنى أجيب ولد، عشان يقوم بكل الشغل إللي بتقومي بيه، لكن محصلش نصيب وجيتي إنتي، بس بصراحة مفيش زيك، بقيتي أهم عميلة عندنـا، حقيقي بحيكي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.