حطته قدامي. ده مش جواب منك، متقلقش. ده ورق احتفظت بيه من اليوم ده. بصيت للظرف باستغراب. قالت لما رجعت البيت يومها، أمي سألتني عن المقابلة. ما قدرتش أقول لها الحقيقة، فقلت لها إنك كنت محترم، لكن ما حصلش توافق. كانت تعبانة، ومكنتش عايزة أزود عليها ۏجعها. صوتها بدأ يهدى أكتر.
بعدها بأسبوعين، أمي ماټت. حسيت بغصة في حلقي. لأول مرة، استوعبت إن اليوم اللي أنا اعتبرته موقف سخيف وعدى، كان بالنسبة لها مرتبط بآخر فترة في حياة أمها. منال ما عيطتش، وما حاولتش تستعطفني. بالعكس، كانت متماسكة بطريقة خلتني مش عارف أبص في عينيها. قالت بعد ۏفاة أمي، فضلت فترة طويلة مش قادرة أخرج من البيت.
كنت بروح شغلي وأرجع، وأقفل على نفسي. لكن في يوم، وأنا براجع حاجات قديمة، افتكرت كلامك. افتكرت إنك بصيت لي كأني أقل من البشر عشان وزني. سكتت، ثم قالت وقتها قررت إن حياتي مش هتفضل واقفة عند رأي شخص واحد في شكلي. بدأت أتابع مع دكاترة، واهتميت بصحتي، واشتغلت على دراستي، وكملت طريقي. خسيت فعلًا، لكن مش عشان أثبت لك إنك كنت غلطان.
عملت ده عشاني أنا، وبس. كنت واقف مش قادر أرفع عيني من الأرض. وبعدين قالت الجملة اللي حسيت إنها أصابتني في المكان اللي كنت بخبي فيه غروري طول عمري عارف يا عماد إيه الفرق بيني وبينك؟ إنت يومها خرجت من الكافيه وأنت فاكر إنك كسبت موقف، وأنا خرجت وأنا موجوعة، لكن قدرت أحول الۏجع ده لحاجة تبني مستقبلي.
إنت فضلت سنتين مقتنع إنك أحسن من غيرك، وأنا قضيت السنتين دول بحاول أبقى أحسن من نفسي كل يوم. كنت عايز أعتذر، لكن كلمة آسف حسيتها صغيرة جدًا قدام اللي سمعته. قلت بصوت منخفض أنا غلطت في حقك، ومهما قلت مش هقدر أبرر اللي عملته. أنا آسف. بصت لي طويلًا، ثم قالت أنا سمعت اعتذارك.
ارتحت للحظة، لكن ارتياحي ما كملش. لأنها فتحت الملف الأسود، وطلعت منه ورقة، ودفعتها ناحيتي. دلوقتي بقى، خلينا نتكلم في الشغل. بصيت للورقة، لقيتها قرار بتشكيل لجنة لمراجعة العقود والإدارة المالية في القطاع اللي أنا مسؤول عنه. قالت إنت مدير ناجح، على الأقل حسب التقارير اللي وصلت لي. لكن فيه حاجات محتاجة مراجعة، وعايزة أعرف إذا كانت النتائج اللي اتقدمت لمجلس الإدارة دقيقة ولا لأ.
قلت وأنا بحاول أتماسك طبعًا، وأنا تحت أمرك في أي مراجعة. هزت راسها. كويس. لأن التقييم ده هيحدد إذا كنت هتكمل في منصبك الحالي، أو هتتحمل مسؤولية أخطاء حصلت في الفترة اللي فاتت. خرجت من مكتبها وأنا حاسس إن الأرض بتتحرك من تحتي. ما كنتش متخيل إن المقابلة اللي دخلتها عشان أترقى هتنتهي بالشكل ده.
لكن رغم كل اللي حصل، كنت بحاول أقنع نفسي إن الموضوع مجرد مراجعة روتينية، وإن منال مش هتخلط بين اللي حصل زمان وبين شغلها. عدت الأيام، وبدأت اللجنة تراجع الملفات. كل يوم كان فيه طلب جديد لمستندات قديمة، وكل يوم كنت أكتشف إن فيه تفاصيل أنا ما كنتش مهتم بيها بالشكل الكافي. وفي وسط كل ده، بدأت ألاحظ إن بعض الموظفين القدامى بيتجنبوا الكلام معايا، وإن المدير المالي بقى عصبي على غير عادته.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.