لما جه الدور عليّا، عينيها وقفت عندي. ثانية. ثانيتين. وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا، وقالت أهلًا يا أستاذ عماد. بقالنا كتير متقابلناش. حسيت إن الډم انسحب من وشي. كل اللي حواليا بصوا لي، والمدير التنفيذي اللي قاعد جنبي مال ناحيتي وسألني بهمس إنت تعرف الأستاذة منال؟ ما عرفتش أرد. منال هي اللي ردت بدلًا مني، وهي بتقلب في أوراقها بكل هدوء أيوه، أنا والأستاذ عماد اتقابلنا من سنتين في مقابلة شخصية، وكان بينا حوار قصير جدًا، لكنه للأسف كان حوار ما يتنسيش.
الكلام نزل عليّا زي الحجر. كنت عايز أقول أي حاجة، أبرر، أعتذر، حتى أضحك وأغير الموضوع، لكن لساني كان تقيل، وكأني رجعت لنفس اللحظة اللي وقفت فيها من الكرسي في الكافيه وقررت أهينها قدام الناس. أما هي، فكانت بتتكلم عن خطط الشركة ومشروعاتها، وكأنها ما قالتش حاجة. بدأ الاجتماع، وقدمت الأرقام الخاصة بالقسم اللي أنا مسؤول عنه، وحاولت أتماسك. كنت حافظ العرض عن ظهر قلب، وكل شوية أرفع عيني أشوف رد فعلها.
كانت بتسمع من غير ما تقاطع، وتكتب ملاحظات صغيرة في ورقة قدامها. ولما خلصت، قالت شكرًا يا أستاذ عماد. عندي كام سؤال. قلت بسرعة اتفضلي يا فندم. سألتني عن أسباب تراجع الأرباح في أحد الفروع، وعن خطة التوسع، وعن مشكلة في عقود التوريد. جاوبت على أول سؤال، وبعدين التاني، لكن عند السؤال التالت، اكتشفت إن فيه أرقام مش متطابقة بين التقرير اللي معايا والتقرير اللي قدامها. بدأت أتلخبط. قالت بهدوء خد وقتك.
أنا مش مستعجلة. الجملة دي بالذات كانت أصعب من أي زعيق. فضلت أدور في الورق لحد ما لقيت الرقم الصحيح، واعتذرت عن الخطأ. هي هزت راسها، وكتبت ملاحظة تانية. بعد انتهاء الاجتماع، الناس بدأت تخرج، وأنا كنت بجمع الورق بسرعة عشان أمشي قبل ما تضطر تكلمني لوحدنا. لكن صوتها وقفني. أستاذ عماد، ممكن دقيقة؟ كل اللي في القاعة خرجوا، وفضلت واقف قدامها، حاسس إني راجع طالب في المدرسة مستني استدعاء ولي أمره.
رفعت عينيها ليا وقالت مستغرب إني بقيت بالشكل ده؟ اتوترت وقلت بصراحة يا أستاذة منال، أنا... قاطعتني أنا مش بسألك عشان أسمع مجاملة. أنا عارفة إنت بتفكر في إيه. سكتت لحظة، وبعدين كملت إنت فاكر إني اتغيرت عشان بقيت أخس؟ أو عشان بقيت ألبس لبس مختلف؟ أو عشان بقيت قاعدة على كرسي رئيسة مجلس الإدارة بدل ما كنت قاعدة قدامك في كافيه؟
ما لقيتش رد. قامت من مكانها، ووقفت قدام الشباك اللي بيطل على الشارع، وقالت يوم ما قابلتك، أنا كنت خارجة من المستشفى. أمي كانت حالتها صعبة جدًا، وأنا كنت بحاول أحقق أمنيتها قبل ما يحصل لها حاجة. لبست أحسن لبس عندي، وروحت أقابلك وأنا متوترة، لكن عندي أمل إن اللي قدامي يكون إنسان محترم، حتى لو ما حصلش نصيب.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.