تركها وهو يخطو نحو القبو، خطواته ثابتة لكن عينيه تشتعلان كأنما يحملان وعدًا بالانتقام. كان القبو في أسفل القصر، معزولًا، والجدران السميكة تحفظ كل الأسرار التي دارت داخله عبر السنوات.
حين وصل، كان الرجل المأسور يجلس على كرسي حديدي، يداه موثقتان خلف ظهره، وقطرات العرق تتساقط من جبينه رغم برودة المكان. وقف عثمان أمامه، طويل القامة، مهيب الحضور، حتى بدا أن الهواء نفسه أصبح أثقل.
– "مين بعتك؟" قالها عثمان بصوت منخفض لكنه نافذ.
الرجل برعب :
– "باشا… أنا… أنا ماعرفش اسمه…"
– "ما تعرفش؟" اقترب خطوة، حتى صار وجهه على بعد أنفاس منه. "يعني إيه ما تعرفش، وانت داخل القصر وسط رجّالتي؟"
– "هو… بيبعتلي فلوس من غير ما يقابلني… كل اللي قالهولي… إني أخلّص على البنت بأي طريقة."
تجمدت ملامح عثمان، لكن عينيه كانتا تراقبان كل حركة صغيرة صادرة منه
– "وصفه."
ادلي الرجل برعب اوصف الشخص ،ليظل عثمان واقفًا للحظة، وكأن خيطًا ما بدأ يتضح في رأسه، ثم أشار بيده لأحد رجاله:
– "خدوه… محدش يجرّبله إلا بإذني."
عاد عثمان يصعد الدرج، ذهنه يعج بالاحتمالات، وملامح ذلك "الغريب" تتشكل في مخيلته كظلٍ ثقيل. وعندما فتح باب غرفته، وجد وتين جالسة على الأريكة، عيناها تتابعانه بقلق شديد.
– "عثمان… إيه اللي حصل؟"
اقترب منها، جلس بجانبها، وقال وهو يضع يده على يدها:
– "في حد بيلعب من ورا الضهر… بس أنا هسبج، وهجفله اللعبة دي."
وتين بخوف :
– "و… لو كان من حد قريب؟"
التمعت عينان عثمان بقسوة مرددا :
– "يبجى نهايته أسوأ من أي غريب."
كان صوته حادًا، لكن لمسته ظلت دافئة، وكأنها توازن بين الحنان والعزم. ومع ذلك، في أعماقه، كان يعلم أن الأيام القادمة لن تكون هادئة… بل ستكشف وجوهًا لم يكن يتوقع رؤيتها بين أعدائه.
لم تكد وتين تلتقط أنفاسها بعد كلمـ,,ــات عثمان حتى سُمِع طرقٌ حاد على الباب. تبادل عثمان وتين نظرة سريعة، قبل أن ينهض ويفتح الباب بنفسه. كانت فريدة تقف هناك، بثوب أنيق ورائحة عطر قوية، ملامحها مزيج من القلق المصطنع والفضول المحرَّف.
– "عثمان… اني عايزة أطمن على وتين."
ردّ ببرود: "هي بخير… ومش محتاجة حد يزعجها دلوجتي."
لكن فريدة لم تنتظر إذنه، بل خطت إلى الداخل بخطوات محسوبة، وابتسامة باهتة على شفتيها وهي تتوجه نحو وتين.
– "الحمد لله على السلامة يا وتين… بس بصراحة، شكل الموضوع كان خطير أوي… مش كده؟"
أجابت وتين، محاولة الحفاظ على هدوئها:
– "الحمد لله… ربنا ستر."
جلست فريدة على المقعد المقابل، نظراتها تتفحص وتين وكأنها تبحث عن شيء خفي:
– "بس غريبة أوي إن حد يحاول يأذيكي… هو إيه اللي يخليه يعمل كده؟"
تدخّل عثمان بصوت قاطع:
– "فريدة… الكلام ده مش وجته."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت: "أني بسأل عشان أطمن بس."
التقطت وتين لمحة في عيني فريدة… لم تكن نظرة تعاطف، بل نظرة أشبه بالانتصار الخفي، وكأنها تفرح لشيء لا تريد أن تُظهره. شعرت وتين بانقباض في صدرها، لكن آثرت الصمت.
وقف عثمان، مشيرًا نحو الباب:
– "فريدة… أني محتاج أكلم وتين لوحدنا."
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.