زهره الربيع

نُشر منذ 9 ساعات
حفظ
غلاف المقال

وفي يوم، اتقدم شاب اسمه كريم لهدير. كان شغال محاسب في شركة كبيرة، وسمعته كويسة، وأهله ناس محترمين. جه هو وأمه وأخته، وقعدوا في الصالة، وأنا اللي عملت لهم الشاي وقدمت لهم الحلو، لأن أمي كانت تعبانة في أوضتها. كريم كان شاب هادي، وكل ما أمي تسأله سؤال يرد بأدب، لكن عينه كانت على هدير طول الوقت.

وبعد ما مشي، هدير دخلت أوضتها، وفضلت تجرب فستانين وتلاتة قدام المراية، وبعدها خرجت للصالة وقالت بكل غرور أنا مش مرتاحة له. أبويا بص لها باستغراب وقال ليه يا بنتي؟ ده شاب محترم، وأهله ناس طيبين. ردت وهي بتعدل شعرها مش حاسة إنه مناسب لمستوايا. أمي قالت بهدوء مستواكي إيه يا هدير؟ الراجل ما شاء الله عليه بيشتغل وبيسعى، ودي أهم حاجة.

هدير بصت لأمي بضيق وقالت أنا مش هتجوز واحد عشان إنتوا شايفينه كويس. أنا لسه صغيرة، ولسه قدامي فرص كتير. وبعدين لفت ناحيتي، وابتسمت ابتسامة سخيفة. مش زي ناس تانية لازم تلحق أي حد قبل ما يفوتها القطر. حسيت بقلبي بيتقبض، لكني سكت. وبعدها بأسبوع، اتقدم واحد تاني، وبعده واحد تالت، وكلهم كانوا بيسألوا على هدير.

واحد منهم كان أرمل وعنده بنت صغيرة، وهدير رفضته قبل ما يقعد حتى، لمجرد إنه أكبر منها بخمس سنين. والتاني كان شغال مدرس، رفضته عشان شقته مش في منطقة راقية. والتالت كان شاب عنده محل أدوات كهربائية، رفضته عشان عربيته قديمة. وكل مرة كانت ترفض، كانت ترجع تتريق عليا. لحد ما جه اليوم اللي حياتي كلها اتغيرت فيه. كان يوم خميس، وأنا راجعة من المشغل شايلة كيس فيه شوية خضار وعلبة دوا لأبويا.

لقيت الراجل اللي بيقعد تحت بيتنا على الرصيف، قدامه كوباية صغيرة، وهدومه قديمة ومتقطعة، ووشه عليه آثار التعب. كان اسمه يوسف. بقاله شهور بيقعد في نفس المكان، وكل يوم تقريبًا كنت بعدي عليه وأنا راجعة من الشغل. ساعات كنت أديه فلوس، وساعات أجيب له سندوتشات أو زجاجة مية، خصوصًا في أيام الحر. كان دايمًا يشكرني بأدب، وما كانش بيطلب مني أكتر من اللي أقدر عليه.

في اليوم ده، لقيته قاعد ساكت، وباصص للأرض، فحطيت في إيده شوية فلوس وقلت له خد يا عم يوسف، ربنا يرزقك. رفع عينه ليا وقال بصوت هادي ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، زي ما بتجبري بخاطر ناس كتير. ابتسمت له وطلعت البيت. ما كنتش أعرف إن الراجل ده كان شايل في قلبه حكاية أكبر بكتير من اللي أنا متخيلاه.

بعد المغرب، كنت قاعدة في الصالة بصلح قميص قديم لأبويا، وأمي بتحضر له العشا، وهدير في أوضتها بتتكلم في التليفون وتضحك بصوت عالي. وفجأة، خبط الباب. قمت أفتح، ولقيت يوسف واقف قدامي. لكن المرة دي كان واقف بطريقة مختلفة، ضهره مفرود، وعينه ثابتة، ووشه رغم التعب اللي عليه كان فيه هدوء غريب. قال لي ممكن أكلم الحاجة أمك يا ست نبيلة؟ استغربت، لكني وسعت له الطريق.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.2Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة