بعد أسبوعين، نقلت أنا ويوسف حاجاتنا البسيطة للشقة اللي في كفر الشيخ، بعد ما خلص تصليحاتها الأساسية. الشقة كانت واسعة، فيها صالة كبيرة وبلكونة بتطل على شارع هادي، ومطبخ محتاج شوية ترتيب، وأوضتين، واحدة لينا وواحدة فاضية. يوسف قال لي من أول يوم الأوضة دي لو حبيتي تخليها لأميكي وأبوكي لما يحبوا يقعدوا معانا، تبقى بتاعتهم. وأنا مش عايزك تحسي إنك بعيدة عنهم.
الكلام ده فرحني أكتر من أي حاجة. ما اشتريناش أثاث جديد كله مرة واحدة، لكن يوسف بدأ يصلح قطع الأثاث القديمة بإيده، وأنا كنت بساعده في اختيار القماش وتنسيق الألوان. بقينا نقضي ساعات طويلة في الشقة، هو بيشتغل في النجارة وأنا بخيط وأرتب البيت، وكل يوم كنا بنتعلم حاجة جديدة عن بعض.
اكتشفت إن يوسف بيحب الشاي من غير سكر، وإنه لما يتعب بيسكت بدل ما يتكلم، وإنه ساعات يصحى من النوم مڤزوع لما يفتكر ابنه. وفي ليلة، كنت قاعدة جنبه في الصالة، وهو ماسك صورة قديمة لابنه، ودموعه بتنزل من غير صوت. قربت منه وقلت وحشك؟ هز راسه. كل يوم. ساعات بحس إني لو نسيت صوته أبقى خنته. مسكت إيده وقلت اللي بنحبهم عمرهم ما بيبقوا خېانة في النسيان يا يوسف.
إنت من حقك تعيش، ومن حقك تضحك، ومن حقك تبدأ من جديد. وده مش معناه إنك نسيتهم. بص لي فترة طويلة، وبعدها قال أنا أول مرة من سنين أحس إني أقدر أحكي من غير ما حد يقولي كفاية حزن. الليلة دي، فهمت إن يوسف ما كانش محتاج فلوس وبس. كان محتاج حد يسمعه، زي ما أنا كنت محتاجة حد يسمعني.
وبعد شهر من جوازنا، رجعت أشتغل في الخياطة من البيت، وبدأت أستقبل طلبات من الجيران. يوسف رجع يشتغل في ورشته بشكل منتظم، وبقى بيخرج كل يوم الصبح ويرجع آخر النهار، متعب لكن راضي. أما أبويا وأمي، فكانوا بييجوا عندنا يومين في الأسبوع، وأحيانًا كنت بروح أقعد معاهم لحد ما أبويا ينام. حياتنا ما كانتش مثالية، لكنها كانت هادية. ما كانش فيها استعراض، ولا مقارنات، ولا حد بيحسسني إني أقل من غيري.
لكن هدير بدأت تتغير بطريقة غريبة. بعد فترة قصيرة من جوازي، بقت تتصل بيا كتير، وتسألني عن الشقة، وعن شغل يوسف، وعن الورشة، وعن الممتلكات اللي استردها. في الأول كنت بجاوبها عادي، لكن مع الوقت بقيت أحس إن أسئلتها مش كلها بدافع الاطمئنان. وفي يوم، قالت لي يا نبيلة، هو يوسف ممكن يساعدني ألاقي شغل في الشركة اللي كان بيتعامل معاها زمان؟
استغربت. إنتِ عايزة تشتغلي؟ ردت بسرعة أيوه، يعني الواحد لازم يضمن مستقبله. فرحت في الأول، وقلت يمكن أخيرًا قررت تعتمد على نفسها. كلمت يوسف، وهو قال إنه يقدر يسأل بعض معارفه عن فرصة مناسبة ليها، لكنه مش هيضمن لها وظيفة من غير ما تكون مؤهلة. وبالفعل، ساعدها إنها تعمل مقابلة في مكتب إداري تابع لإحدى الشركات اللي بيتعامل معاها عم رجب، وطلب منها تلتزم بالمواعيد وتتعلم الشغل. لكن هدير ما كملتش أسبوعين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.