مرت شهور، وحياتي مع يوسف كانت بتتحسن يوم بعد يوم. الورشة بقت شغلها أكتر، وبدأ يستقبل طلبات من ناس كانت تعرفه من زمان، ورجع اسمه يتقال بين الصنايعية باحترام. وفي يوم، رجع البيت ومعاه صندوق خشب صغير، حطه قدامي وقال دي حاجة عملتها لك. فتحته، ولقيت جواه صندوق خياطة خشبي متقسم من جوه، فيه مكان للبكر والإبر والمقصات، وكل جزء معمول بدقة وجمال.
على الغطا، كان حافر اسمي بخط صغير نبيلة. فضلت أبص له وأنا مش مصدقة. قلت له إنت عملت ده كله بإيدك؟ ابتسم وقال عشان إنتِ طول عمرك بتخيطي للناس كلها، فقلت لازم يبقى عندك حاجة معمولة مخصوص ليكي. حضنته وأنا بعيط. ما كانش أغلى هدية في الدنيا، لكنه كان أول شيء يثبت لي إن في حد بيفكر في راحتي من غير ما أطلب. بعدها بفترة، أمي تعبت شوية، فطلبت من يوسف يوديني لها.
وصلني، ودخل يسلم على أبويا، وبعدها قعد يصلح رجل ترابيزة كانت مکسورة في الصالة. أبويا كان بيتفرج عليه، وبعد ما خلص، قال له يا يوسف، أنا كنت خاېف على بنتي منك في الأول. يوسف ابتسم وقال حقك يا عمي. أبويا كمل كنت خاېف إنها تضحي بنفسها عشان الناس بطلت تتقدم لها، لكن دلوقتي أنا شايف إنها اختارت صح. إنت ما أخدتش بنتي مني، إنت خلتها بنتي وهي مطمنة.
يوسف نزل عينه باحترام، وما عرفش يرد. وأنا كنت واقفة عند باب المطبخ، ودموعي نازلة في صمت. لأن دي كانت المرة الأولى اللي أسمع فيها أبويا يقول إنه فخور بيا، من غير ما يطلب مني أعمل حاجة بعدها. لكن الحياة ما بتفضلش هادية طول الوقت. بعد سنة تقريبًا، حصلت مشكلة كبيرة في بيت أبويا.
هدير كانت اتعرفت على رجل اسمه شريف، عنده محل ملابس في القاهرة، وكان بيظهر قدامها بمظهر الراجل الغني اللي يقدر يحقق لها كل أحلامها. كان بيبعت لها هدايا، ويخرج معاها في أماكن غالية، ويقول لها إنه هيجهز لها شقة كبيرة لو اتجوزوا. هدير اتعلقت بيه بسرعة، وبدأت تحكي لكل اللي حواليها إنها أخيرًا لقت الراجل اللي تستحقه. لكن أمي كانت قلقة.
قالت لي إنها شافت شريف مرة، وإن طريقته في الكلام ما ريحتهاش، وإنه كان بيسأل كتير عن ممتلكات يوسف وعلاقته بالعقار القديم. أنا ما حبيتش أظلم حد، وقلت لها إننا لازم نعرفه كويس قبل ما نحكم عليه. بعدها بأيام، هدير طلبت مني أقابلها في بيتنا. لما وصلت، لقيتها قاعدة في الصالة ووشها شاحب، وعينيها وارمة من العياط. قعدت جنبها وسألتها مالك يا هدير؟ فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت شريف طلب مني فلوس. استغربت. فلوس إيه؟
قالت إنه داخل في مشروع جديد، وإنه محتاج مبلغ كبير بشكل مؤقت، ووعدها إنه هيرجعه لها بعد شهر، وإنه قال لها إن ده اختبار لثقتها فيه. قلت لها وإنتِ معاكي فلوس منين عشان تديهاله؟ بصت لي بتردد. أنا قلت له إن بابا عنده أرض قديمة، وإن ممكن أبيع نصيبي لما نتجوز. حسيت بقلبي وقع. إنتِ وعدتيه بحاجة إنتِ لسه ما تعرفيش إذا كانت من حقك أصلًا؟ صړخت في وشي أنا كنت عايزة أتجوز!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.