أبويا صحته استقرت شوية، وأمي بقت مطمنة إننا كلنا حوالين بعض. يوسف وسع شغله في الورشة، وأنا بدأت أستقبل طلبات خياطة أكتر، وبقينا نقدر نوفر فلوس على جنب من غير ما نستلف من حد. وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة بعد المغرب، يوسف جه قعد جنبي، وحط قدامي كوب شاي. سألته فاكر أول يوم جيت فيه بيتنا؟ ضحك وقال أنساه إزاي؟ أختك كانت هتخليني أهرب من الشارع كله.
ضحكت من قلبي. وبعدين سألته إنت عمرك ما زعلت إني وافقت عليك بعد ما عرفت ظروفك؟ بص لي باستغراب. أزعل ليه؟ قلت أصل ساعات بفكر إنك كنت تستحق واحدة أحسن مني. يوسف مسك إيدي وقال نبيلة، أنا مش محتاج واحدة أحسن منك. أنا محتاج الست اللي لما شافتني واقع ما زادتش وقوعي، ولما شافتني واقف ما طلبتش مني أثبت لها إني أحسن من غيري. أنا محتاج الست اللي اختارتني وأنا مش معايا حاجة أتباهى بيها.
سكت لحظة، وبعدها كمل وإنتِ كمان لازم تعرفي إنك ما اتجوزتيش بيا عشان محدش قبلي طلبك. إنتِ اتجوزتي بيا لأنك شوفتي فيا حاجة تستاهل فرصة. وده قرارك، مش فضل منك عليا. الكلام ده خلاني أبتسم وأنا حاسة إن كل الۏجع اللي فات بدأ يهدأ. بعد فترة، قرر يوسف يفتح قسم صغير في الورشة لتعليم الشباب اللي ظروفهم صعبة صنعة النجارة، وبدأ ياخد اتنين من الشباب اللي كانوا قاعدين في الشوارع من غير شغل، يعلمهم بإيده ويديهم أجر على قد شغلهم.
كنت أجهز لهم أحيانًا أكل بسيط، وأقول لهم إنهم يقدروا يبدأوا من جديد مهما كانت ظروفهم. وفي مرة، واحد منهم قال ليوسف يا أستاذ يوسف، إنت ليه بتساعدنا بالشكل ده؟ يوسف رد عشان أنا عارف إحساس إن الناس تبص لك وكأنك انتهيت. ساعات الإنسان مش بيحتاج حد يديله فلوس قد ما بيحتاج حد يصدق إنه لسه يقدر يقوم.
كنت واقفة بعيد، وسمعت كلامه، وحسيت إني رجعت بالزمن لأول يوم شفته فيه تحت بيتنا. الراجل اللي كل الناس حكمت عليه من هدومه، بقى سبب في إن ناس كتير تبدأ حياتها من جديد. وفي يوم عيد ميلاد أمي، قررنا نعمل لها احتفال بسيط في بيتنا. هدير جابت تورتة من مرتبها، وأنا جهزت الأكل، ويوسف رتب الصالة، وأبويا قعد على كرسيه جنب الشباك، ووشه منور بالفرحة. بعد ما أمي طفت الشموع، هدير قامت ووقفت قدامنا.
كانت متوترة، لكن صوتها كان واضح. قالت أنا عايزة أقول حاجة. زمان كنت فاكرة إن اللي يلبس أحسن يبقى أحسن، وإن اللي معاه فلوس يبقى ناجح، وإن أختي نبيلة أقل مني عشان محدش كان بيتقدم لها. كنت بجرحها كل يوم، وكنت فاكرة إني كده قوية. بصت لي، ودموعها لمعت. لكن الحقيقة إن نبيلة كانت أقوى مني بكتير.
هي اللي شالت البيت، وهي اللي فضلت جنب بابا وماما، وهي اللي قدرت تشوف يوسف كإنسان قبل ما تعرف أي حاجة عنه. وأنا كنت محتاجة أقع عشان أفهم إن المظاهر مش كل حاجة. أبويا مسح دمعة من عينه، وأمي حضنت هدير، وأنا قمت وحضنتها. يوسف كان واقف جنبنا، مبتسم في هدوء. وفي اللحظة دي، حسيت إننا أخيرًا بقينا عيلة بجد، مش مجرد ناس عايشة تحت سقف واحد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.