رجع آدم بص لها من فوق لتحت، وقال فجأة:— كريم منصور. مريم اتجمدت مكانها. وشها شحب، وإيدها شدت على شنطتها.— حضرتك تعرف كريم منين؟آدم رد من غير ما يرمش:— عنده تلاتين سنة، شغال محاسب في شركة تأمين، ساكن في مصر الجديدة، وبيروح شغله بعربيته السوبارو.
مريم حست إن الأرض بتتحرك من تحت رجليها.— إنت عرفت الكلام ده إزاي؟— لأنك كنتِ رايحة تقابليه.— وده يخص حضرتك في إيه؟السؤال خرج من بقها قبل ما تلحق تفكر في عواقبه. الصمت اللي نزل على الصالة بعدها كان تقيل بشكل مرعب.
آدم الشناوي مش من النوع اللي حد يعترض على كلامه، خصوصًا حد شغال عنده. كل اللي في القصر كانوا عارفين إن أوامره ما بتتراجعش، وإنه ممكن يقفل باب رزق أي حد بكلمة واحدة. لكن مريم، رغم خوفها، ما قدرتش تسكت.كانت حاسة إن فيه حاجة غلط، وإن من حقها تعرف ليه صاحب شغلها بيسأل عن حياتها الشخصية بالتفصيل ده.
آدم قرب منها خطوة.— إنتِ تعرفي عنه إيه أصلًا؟مريم رفعت عينيها له.— لسه بتعرف عليه.— يعني ما تعرفيش هو عايز منك إيه؟
— هو طلب نتعشى سوا، وأنا وافقت. إيه الغلط في كده؟آدم شد فكه، وبان التوتر على ملامحه.— إنتِ مش فاهمة الدنيا ماشية إزاي.— لأ، أنا فعلًا مش فاهمة. عشان كده بسألك.— في ناس ممكن تقرب منك لمجرد إنها عايزة توصل لحاجة تخص البيت ده. مريم بصت له بعدم تصديق.
— أنا مالي بالبيت ده؟ أنا شغالة هنا يا فندم. بنضّف الأوض، وبرتب المكتبة، وبعمل شغلي وبمشي. مش معنى إني بشتغل هنا إن حياتي كلها تبقى ملك حضرتك!الكلام نزل عليه كأنه صفعة. ولأول مرة، مريم شافت حاجة غريبة في عينيه. مش مجرد غضب.
كان فيه إحساس تاني، أعمق وأخطر، كأنه مش قادر يتقبل فكرة إنها ممكن تخرج من باب القصر وتروح لراجل تاني، حتى لو كان مجرد شخص لسه بتتعرف عليه. آدم قرب خطوة كمان. مريم رجعت لورا غصب عنها، لكنها حاولت تثبت نفسها.— لو سمحت، وسّع عشان أمشي.بص لها وقال:— أنا مش هسمح لك تروحي له الليلة دي.
قلبها بدأ يدق بسرعة.— يعني إيه مش هتسمح لي؟— يعني اللي سمعتيه.— هو حضرتك بتهددني بشغلي؟آدم رد بسرعة:— لأ.— أمال بتعمل إيه؟سكت لحظة، وبعدها قال:— مش عايزك تروحي له. مريم حسّت بغضب شديد بيغلب خوفها.
— وده قرار يخصني أنا، مش حضرتك!بص لها طويلًا، وكأن ردها زوّد غضبه بدل ما يخليه يراجع نفسه. أما هي، فكانت بتحاول تمنع دموع القهر من إنها تنزل. مش معقول حتى الخروجة البسيطة دي تتحول لمعركة!هي مش بتطلب منه فلوس، ولا بتطلب إجازة إضافية، ولا بتتهرب من شغلها.
كل اللي عايزاه إنها تخرج من البيت اللي بتشتغل فيه، وتعيش كام ساعة كإنسانة طبيعية. لكن آدم كان واقف قدام الباب، مانعها من الخروج، وكأن مجرد فكرة إنها هتقابل راجل تاني بقت إهانة شخصية ليه.
فجأة، موبايل مريم رن. بصت للشاشة، فظهر اسم كريم. حست إن قلبها اتقبض. كانت عارفة إنه مستنيها في المطعم، وإنه غالبًا بدأ يقلق بسبب تأخيرها. رفعت عينيها لآدم، ولقت نظرته ثابتة على الموبايل. قال لها بصوت هادي:— ردي.مريم ما اتحركتش.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.