طرحتي؟ أيوه طرحتي! كنت بحاول أفوقه من غلبي جالي استنكار انه ممتش واتخضيت وجريت وسيبتها هناك ساد الصمت. صمت ثقيل هبط فوق رؤوسهما كالصاعقة. كل واحد منهما كان يعيد ترتيب السنوات الخمس الماضية في رأسه. كل اتهام. كل كراهية. كل دمعة. كل لعنة. ثم رفعا رأسيهما معًا. ونطقا في نفس اللحظة، بنفس الذهول: الاثنان: “يبقى في حد تالت… كان في المخزن.” وقبل أن يستوعبا حجم الكارثة… دوّى طرق خفيف على الباب. التفتا. دخل د.
رأفت. وجهه مشدود، وفي يده ورقة بيضاء. شعرت غزل أن قلبها توقف. أما جاسر فمد يده وخطف الورقة منه بعنف. فتحها. لم يكن فيها سوى سطر واحد. “نسبة الأبوة: 99.99% — جاسر عبدالحميد هو الأب البيولوجي للطفل يونس.” ساد السكون. حتى أنفاسهم بدت مسموعة. قال رأفت وهو يحاول أن يخفف التوتر: رأفت: “مبروك يا جاسر… الواد ابنك.
أظن عارف هتعمل إيه. لازم تعلن جوازك منها وسط الحارة كلها.” لكن جاسر لم يسمع بقية الكلام. كان يقرأ السطر مرة… ثم ثانية… ثم ثالثة… ثم عاشرة. يده أخذت ترتعش. والورقة نفسها اهتزت بين أصابعه. رفع عينيه ببطء نحو غزل. غزل كانت تنظر إليه بأنفاس محبوسة، وقلب مرعوب، ودموع لم تنزل بعد. طبق الورقة ببطء شديد. ووضعها في جيب الأفارول. ثم اقترب منها. خطوة. ثم خطوة. حتى صار أمامها تمامًا. مد يده. أمسك ذراعها.
لم تكن قبضته عنيفة… لكنها كانت قوية، حاسمة، ممتلئة بما لا يقال. ثم شدها نحوه. إلى حضنه. حضن واحد… لكنه كان أثقل من خمس سنوات كاملة. حضن يكسر الضلوع من شدة الضغط. حضن ممتلئ بالغل، والشوق، والقهر، والندم، والدموع المؤجلة. دفن جاسر وجهه في شعرها، وتنفس رائحتها كالغريق الذي وجد هواءه بعد غرق طويل. وخرج صوته مبحوحًا، مكسورًا، يكاد لا يُسمع: جاسر: “ابني… يونس… ابني.” تخشبت غزل في البداية.
جسدها كله فقد القدرة على الحركة. ثم شيئًا فشيئًا… انفكّت صلابتها. واهتز كتفاها. وانهارت في حضنه، باكية بصمت موجع، كأنها تخرج من صدرها خمس سنوات من القهر دفعة واحدة. ظل جاسر يضمها أكثر. كأنه يحاول أن يعيدها إلى مكان كان يجب ألا تخرج منه أصلًا. بعد ساعتين — قهوة عم سيد كانت الحارة كلها متجمعة. رجال فوق المصاطب. نساء عند الأبواب.
أطفال يجرون بين الأرجل. والكل يلوك الخبر دون أن يعرف حقيقته. كان الحاج عطية يضرب كفًا بكف وهو يهتف: الحاج عطية: “يعني إيه؟! الواد ابنه؟!” وفي تلك اللحظة، دخل بليه يركض كعادته، يلهث حتى كاد يقع. بليه: “يا حاج! يا ناس! جاسر خارج من المعمل! وشايل الواد! وماسك إيد غزل!” شهقت امرأة: امرأة: “يا لهوي! هيتجوزها؟!” ورد رجل من آخر القهوة: رجل: “ده كان هيقتلها إمبارح!
” وفجأة… سكت الجميع. كل الرقاب التفتت ناحية أول الحارة. كان جاسر يدخل بخطوات ثابتة. يحمل يونس فوق كتفيه، والصغير يضحك ويلعب في شعره الأسود بخشونة طفولية. وفي يده الأخرى… يمسك يد غزل. غزل كانت تسير إلى جواره ورأسها مرفوع. لأول مرة منذ خمس سنوات، لم تكن امرأة هاربة… بل امرأة عائدة لتأخذ مكانها. تقدم الثلاثة حتى وقفوا في منتصف الحارة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.