ثم دفعت الباب. فُتح. ودخلت. ورزعته خلفها في وجه الحارة كلها. وفي وجه جاسر. بيت جاسر — بعد ساعة كانت أم جاسر تولول وتلطم على خديها. أم جاسر: “يا فضيحتي! يا جرستي! يا شمتاتة الناس فيّا! الواد يقولك بابا؟! ابن الرقاصة يبقى حفيدي؟!” أما فاطمة، أخته، فكانت تمشي في الصالة ذهابًا وإيابًا كقنبلة موقوتة. فاطمة: “قوم يا جاسر! قوم ولّع في البيت بيها! هتسيبها تفضحنا كدا؟!” لكن جاسر كان جالسًا على الكنبة.
صامتًا. في يده السكين التي كان يسنها صباحًا. ينظر إليها فقط. وكأنه يرى شيئًا آخر عليها… شيئًا أقدم من اليوم. هزته أمه من كتفه بعنف. أم جاسر: “ما ترد يا ابني! الواد ده ابنك ولا لأ؟!” رفع عينيه ببطء. صوته خرج خشنًا، مبحوحًا: جاسر: “معرفش ياما.” صرخت فاطمة: فاطمة: “إزاي متعرفش؟! دي كانت خطيبتك مش مراتك هيكون حصل بينكم اي؟
!” وفجأة… انفجر جاسر. نهض كالإعصار، وصرخ حتى برزت عروق عنقه: جاسر: “غزل ماكنتش خطيبتي وبس يافاطمة!” سكتت الاثنتان. كان صدره يعلو ويهبط بعنف. وعيناه حمراوان. جاسر: “غزل كانت مراتي على سنة الله ورسوله. كتبت عليها في السر ومحدش كان يعرف ايوة دخلت عليهة وهي مرة الله اعلم ممكن يكون حملت بعدها ومقالتش.” شهقت أمه، وأسندت يدها للحائط.
أم جاسر: “يا مصيبتي…” أكمل وهو يضغط على الكلمات: جاسر: “قبل ما أقول لأبوها اللي حصل انا كنت ناوي اعترفله بس ملحقتش هو مات. واتقتل. وهي هربت مني ومن يومها وأنا معرفش راحت فين. وعايشة ازاي؟” فاطمة فتحت فمها مذهولة: فاطمة: “لازم تتأكد دي مفيهاش” قاطعها وهو يضرب السكين على الطاولة بعنف: جاسر: “انا رايحالها.
” ثم قبض على السكين بقوة حتى ابيضّت مفاصله.” رفعت فاطمة حاجبها: فاطمة: “هتعمل إيه؟” رفع جاسر عينيه، وفيهما تصميم مخيف: جاسر: “هعمل تحليل DNA. انهردة عشان اخلص من الحيرة دي واعرف راسي من رجلي” بيت نصار — ليل البيت غارق في الظلام. طبقات التراب فوق الأثاث. خيوط العنكبوت في الزوايا. لكن رائحة الحاج نصار ما زالت تسكن الجدران… خليط من التبغ والمسك والخشب العتيق.
جلست غزل على الكنبة المتهالكة. يونس نائم فوق حجرها، رأسه الصغير ملتصق ببطنها. كانت تمرر أصابعها في شعره بحنان غارق في التعب. يونس: بنعاس “ماما… إحنا هنفضل هنا؟” ابتسمت رغم الألم. غزل: “شوية يا قلب ماما… لحد ما ناخد حق جدك.” فتح نصف عين: يونس: “وبابا؟” تجمدت يدها. مر طيف جاسر أمامها. وجهه حين رأى الطفل. ارتعاشة يده. ونظرة الضياع في عينيه. ابتلعت غصتها وقالت: غزل: “لسه مايعرفش إنه بابا ياحييبي.
” ثم طبعت قبلة على جبينه: غزل: “بس هيعرف وهيحبك اوي عشان قلبه طيب.” في تلك اللحظة… دوّى على الباب خبط واحد. ثقيل. حاد. كأنه قبضة موت. انتفضت غزل. أنزلت يونس بحذر، وغطته ببطانية قديمة. ثم تقدمت نحو الباب. غزل: “مين؟” جاءها الصوت من الخارج. صوت أجش، ميت، تعرفه أكثر مما تعرف صوتها: جاسر: “افتحي… أنا جاسر.” حبست أنفاسها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.