أنا هكفر عن ذنبي! خلوني أموت راجل!” رد *جاسر* دون أن ينظر إليه: “هتشهد في القسم. مش في المخزن. خليك هنا. احمي الواد. لو جرالي حاجة… الواد أمانة في رقبتك، وفي رقبة الحارة كلها.” نزل *يونس* من حضن فاطمة. ركض وتعلق بساق أبيه. رفع رأسه الصغير: “بابا… هتحارب الوحش؟” انحنى *جاسر* وحمله وقبله من جبينه. “أيوه يا قلب بابا. هحارب الوحش. عشانك. وعشان ماما.
خليك راجل. وماتخفش. قال *يونس* ببراءة: “مش خايف. عشان إنت بابا. وبابا أقوى واحد في الدنيا.” التقطت *غزل* ماسورة حديد صدئة من على الأرض. وزنها في يدها. “يلا.” سألها *جاسر*: “متأكدة يا بنت نصار؟ الطريق ده… مفيهوش رجوع.” أجابت *غزل* وعيناها تلمعان ببريق لم يره منذ خمس سنوات: “خمس سنين وأنا بحارب لوحدي في الشوارع. النهاردة… عايزة أحارب جنب جوزي. عايزة أجيب حق أبويا بإيدي.
قدام عينك.” ابتسم *جاسر* نصف ابتسامة. كانت الأولى التي تشق وجهه منذ عصور. ” خرجا. يدًا بيد. هو بالأفارول المتسخ والكتف المجبر الذي بدأ ينزف من جديد. هي بالعباءة السوداء والماسورة في يدها كأنها سيف. وخلفهما… انفجرت الحارة. رجال بشوم وعصي وسكاكين. نساء تزغرد زغاريد حرب. *عم سيد*: يلوح بنبوته في الهواء. “اللي يقرب من الواد… هكسر عضمه وهاكله حي!” — الشمس حارقة، والمخزن المهجور يقف كتابوت صدئ في قلب الصحراء.
*سامح بيه*: جالس خلف مكتب مكسور، يحتسي قهوته الباردة. أمامه مس\دس لامع. حوله ستة رجال، وجوههم قاسية، وبنادقهم جاهزة. *رجل*: “يا باشا… جاسر جاي. ومعاه الناس كلها. الحارة كلها طالعة وراه.” قهقه *سامح*، ونفث دخان سيجارته. “خليه يجي. ومراته هاخدها . زي ما كان نفسي من زمان. أربيها من أول وجديد.” لم يكمل جملته. الباب الحديدي الضخم انخلع من مكانه بركلة واحدة. طار وارتطم بالحائط. *جاسر*: دخل. كان كالموت إذا جاء ماشيًا.
عينه حمراء من الغضب والدم. الجنزير يتدلى من يده السليمة ويجر على الأرض محدثًا صريرًا يشبه صرير الأرواح. *غزل*: خلفه مباشرة. الماسورة في يدها تقطر زيتًا. وجهها بارد كالرخام، ميت كقلبها القديم. لا خوف فيه. بل ثأر عمره خمس سنوات. وقف *سامح* ببطء. ابتسم ابتسامة صفراء. “أهلاً بالمعلم وبالمدام. إيه؟ جايين تترجوا؟ جايين تسلموا الواد عشان أعفي عنكم؟” زأر *جاسر*، وصوته هز الصاج: “جايين ناخد روحك. قصاد روح نصار. وقصاد شرف مراتي. وقصاد طفولة ابني.
وقصاد أخويا اللي رخصته وبعته بالرخيص.” ضحك *سامح*: “نصار؟ ده كان حشري وحاشر مناخيره ف اللي ملهوش فيه وهيوديني في داهية. وأخوك… كان أرخص كلب اشتريته في حياتي. بجرعة بودرة. باعك، وباع أبوك، وباع شرفه.” لم ينتظر *جاسر* كلمة أخرى. لوّح بالجنزير. لف على رجل كرسي حديد. انتزعه من الأرض وقذفه. طار الكرسي وشج رأس أحد الرجال. *رجال الحارة*: كبسوا من الأبواب الخلفية كالطوفان. “عليهم يا رجالة! ده حق الحاج نصار!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.