رقصه علي حط.ام القلب بقلم هاجر عبد الحليم

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

ثم ظهرت عباءة سوداء حريرية، ضيقة عند الخصر، منسدلة باتساع من الأسفل، تلمع تحت الشمس كأنها بقعة حبر. ثم نزلت هي. غزل بنت الحاج نصار. ثمانية وعشرون عامًا، لكن من يراها يقسم أنها تخطت الخامسة والثلاثين. خمسة أعوام مرت عليها كخمسين. شعرها الأسود الكثيف منسدل حتى منتصف ظهرها، لم يغزُه الشيب، فالحزن لا يبيض الشعر… بل يحرقه من الداخل.

وجهها كان يومًا قمراً يفيض حياة، أما الآن فهو قمر مخسوف. عيناها محوطتان بكحل طبيعي، لكن خلفهما سهر ودموع وليل طويل. وشفتاها حمراوان بطبيعتهما، إلا أن الجفاف شققهما كما شققها القهر. في عنقها سلسلة ذهبية ثقيلة، يتدلى منها اسم “نصار” مكتوبًا بالخط العربي. آخر ما تبقى لها من أبيها. كانت تحمل بيمينها حقيبة صغيرة، وبشمالها تمسك يد طفل.

طفل في الرابعة من عمره. يونس. نسخة مصغرة بصورة مرعبة من رجل يقف الآن في المخرطة. نفس العينين السوداوين. نفس عقدة الحاجبين. ونفس الملامح الصلبة التي ستزداد وضوحًا حين يكبر. تجمدت الحارة. الشيشة توقفت في فم عم سيد. وكوب الشاي ثبت في يد الحاج عطية. حتى بائع العرقسوس أفلتت الصينية من يده فاصطدمت بالأرض. تعالت الهمسات كطلقات متتابعة: صوت امرأة: “يا حفيظ يارب اللهم احفظنا من البت دي… غزل؟

غزل رجعت ياناس الحارة هترجع نجسة تاني دا احنا م صدقنا نضفت من اشكالها؟!” رجل: “جايلها قلب ازاي تيجي للحارة تاني بس؟ طفل صغير: “ماما… هي دي الرقاصة اللي بتحكيلي عليها كل يوم اللي قتلت ابوها وخانت خطيبها؟” صفعته أمه على فمه بسرعة: الأم: “اتكتم يامفضوح واخرس دلوقت!” لكن غزل لم تلتفت يمينًا ولا يسارًا. كانت عيناها مثبتتين على بيت أبيها… البيت المغلق منذ خمس سنوات بجنزير وقفل أكلتهما الصدأ.

البيت الذي مات فيه أبوها… واتهموها هي بموته. كانت تمشي بخطوات ثابتة، وكعبها يضرب الأرض بقسوة. كل طرقة منه كأنها مسمار يُدق في صدر الحارة. شد يونس على عباءتها وهمس بخوف: يونس: “ماما… الناس دي بتبص لنا ليه نظراتهم عاملة زي الأسد الجعان؟ هما خايفين مننا ولا اي شكلنا مرعب يعني ولا هما هيأذونا؟” خفضت رأسها إليه قليلًا، وصوتها خرج هادئًا لكنه حاد: غزل: “لا يا قلب ماما… مش خايفين مننا.

خايفين من الحقيقة اللي جاية معانا… ومش مستعدين يسمعوها.” رفع الطفل حاجبيه الصغيرين بحيرة: يونس: “حقيقة إيه دي ياماما؟” انقبض فكها، وتيبست شفتاها، لكنها لم تجبه. هنا اندفع عم سيد ووضع الطاولة الخشبية في طريقها: عم سيد: “امشي من هنا يابنت نصار الحارة مش عايزاكي وميشرفناش وجودك وسطنا حلي وروحي م طرح م جيتي مش ناقصة وساخة؟.” توقفت غزل. رفعت عينيها إليه لأول مرة. وكانت النظرة كافية لتجعله يتراجع نصف خطوة دون أن يشعر.

غزل: “وساخة؟” ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة، ثم قالت وهي تشير بإصبعها للأرض: غزل: “الوساخة اللي بتتكلم عنها يا عم سيد… مدفونة تحت رجليك ف كل شبر ف الحارة. وإنت عارف. كلكم عارفين… وساكتين وسايبين لسانكم ينهش فيا بالباطل.” ضرب الحاج عطية كفه في كفه وصاح: الحاج عطية: أبوكي مات بحسرته بسبب فضيحتك انتي مجرمة ومكانك السجن!” استدارت إليه غزل ببطء، وعيناها تقدحان شررًا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق