مر طيف جاسر أمامها. وجهه حين رأى الطفل. ارتعاشة يده. ونظرة الضياع في عينيه. ابتلعت غصتها وقالت: غزل: “لسه مايعرفش إنه بابا ياحييبي.” ثم طبعت قبلة على جبينه: غزل: “بس هيعرف وهيحبك اوي عشان قلبه طيب.” في تلك اللحظة… دوّى على الباب خبط واحد. ثقيل. حاد. كأنه قبضة موت. انتفضت غزل.
أنزلت يونس بحذر، وغطته ببطانية قديمة. ثم تقدمت نحو الباب. غزل: “مين؟” جاءها الصوت من الخارج. صوت أجش، ميت، تعرفه أكثر مما تعرف صوتها: جاسر: “افتحي… أنا جاسر.” حبست أنفاسها. فتحت فتحة صغيرة. كان واقفًا أمامها. ضخمًا كجبل أسود في عتمة الليل. وجهه بلا حياة. وفي يده… مطواة مفتوحة. كان الظلام حالكًا كالكحل، يبتلع ملامح البيت والحارة معًا.
والهواء داخل بيت نصار مكتومًا، مشبعًا برائحة التراب العتيق والخشب الرطب وخيوط العنكبوت التي استوطنت الأركان منذ سنوات الغياب. وقف جاسر أمام الباب ككتلة من السواد والغضب. جسده الضخم يملأ المدخل، والأفارول الكحلي ما زالت بقع الزيت الطازجة تزيده خشونة ووحشية. قبضته مطبقة على مطواة مفتوحة، والعروق نافرة في ساعده حتى أوشكت أن تتمزق. عيناه لم تكونا تريان غزل… بل كانتا تريان دمًا قديمًا لم يجف.
أما غزل، فكانت واقفة خلف الباب، ممسكة بطرفه بيد ترتعش رغمًا عنها. بينهما فتحة ضيقة، لا تتسع إلا لعبور الكلمات والتهديدات. وخلفها… كان يونس نائمًا. خرج صوت جاسر خشنًا، أجوف، كأنه طالع من جوف قبر: جاسر: “هاتي الواد. هنروح نحلل. دلوقتي.” رفعت غزل حاجبيها بذهول وهمست: غزل: “في نص الليل انت اتهبلت؟
” رد عليها بصوت المطواة وهي ترتطم بالباب. رنّة معدنية حادة شقت سكون المكان. ثم قال من بين أسنانه: جاسر: “هاتي الواد يا غزل… بالذوق. عشان ماكسرش الباب ده على دماغك.” ابتلعت غزل ريقها، لكن نبرتها خرجت متحدية رغم الخوف: غزل: “لو قربت له… هصرخ وألم عليك الحارة. وهقول خطفت ابني.” ضحك جاسر. ضحكة باردة، ميتة، لا حياة فيها. جاسر: “الحارة كلها مستنياني أقتلك. خطف إيه وزفت اي؟ لو طلع ابني… هاخده.
وإنتي… حسابك معايا بعدين وربي م هحلك يابنت نصار.” ضيقت غزل عينيها وسألته ببطء: غزل: “وإن طلع مش ابنك؟” سكت ثانية واحدة. ثانية ثقيلة. وخلالها ازداد سواد عينيه حتى بدتا كحفرتين بلا قرار. ثم قال: جاسر: “يبقى هقتلك إنتي وهو ياغزل عشان مش انا اللي يتعمل معايا كدا.” وفي اللحظة نفسها، جاء صوت صغير ناعس من الداخل: يونس: “ماما…؟” تخشب الاثنان.
شعرت غزل بقلبها يهوي في صدرها، فالتفتت بسرعة وقالت بصوت مبحوح: غزل: “نام يا حبيبي…” أما جاسر، فظل ثابتًا لثوانٍ، ثم أنزل يده ببطء، وألقى المطواة على الأرض. صدر الحديد صوتًا مكتومًا. رفع عينيه إليها وقال: جاسر: “هاتيه يا غزل… أنا مش هأذيه.” ظلت تحدق فيه لحظة، ثم فتحت الباب على آخره. دخل. رأى يونس جالسًا على الكنبة، ملتفًا داخل البطانية، وعيناه نصف مفتوحتين بين النوم والخوف.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.