” استدارت إليه غزل ببطء، وعيناها تقدحان شررًا. غزل: “أبويا مات بس\كينة في ضهره… في مخزنه… ليلة فرح فاطمة أخت جاسر. وانا عمري م اقتل ابويا ولا اكون سبب ف وجعه ولا ذله ابدا” شهقت الحارة كلها دفعة واحدة. تقدمت خطوة، وصوتها علا: غزل: “انا مكنتش موجودة معاه وقتها ولما رجعت لقيته سايح في دمه.
بدل ما تدوروا على اللي قتله عشان ياخد جزاءه جايين تحاسبوني انا ع المشاريب… لبستوني تهمة متخصنيش لا من قريب ولا من بعيد. ” ثم أشارت إليهم جميعًا بنظرة ازدراء: غزل: القاتل لسه قاعد وسطكم. بيشرب شاي معاكم. وبيصلي الجمعة وعامل نفسه شيخ وبيخاف ربنا. يقتل القتيل ويمشي ف جنازته بكل بجاحة.” ساد صمت ثقيل، كأن الحارة ابتلعت لسانها. وتركتهم غزل… ومشت. مخرطة جاسر جاء بليه يركض كالمجنون، يتعثر في قدميه.
بليه: “يااا معلم! يا معلم جاسر! الحق!” انتفض جاسر بعصبية: جاسر: “ما تنطق يا زفت!” ابتلع الصبي ريقه وقال بصوت متقطع: بليه: “الست اللي في العربية… دي غزل! بنت الحاج نصار! رجعت… ومعاها عيل صغير ومش عارفين دا ابنها ولا لا بس بيقولها ياماما تفتكر خلفت ف الحرام يامعلم يطلع ابن مين دا؟!” في تلك اللحظة… توقف الزمن. هدأ الحجر. وسقطت السكين من يد جاسر على الأرض المعدنية بصوت حاد.
رفع رأسه ببطء شديد، كأن الكلمات لم تدخل عقله بعد. جاسر: “إنت بتقول إيه؟” بليه: “والله العظيم يا معلم! هناك اهي سمعت اهل الحارة مشكل كلام اد الشوال شوفتها. رايحة على بيت أبوها. ابقى الحقها يامعلم” خرج جاسر من الورشة. قدماه لا تحملانه، ومع ذلك كان يمشي. كل خطوة كانت كأنها عبور فوق خمس سنوات من الغياب والقهر واللعنة.
ثم… رآها. خمسة أعوام وهو يحلم بهذه اللحظة ليقتلها. وخمسة أعوام أخرى يحلم بها ليضمها إلى صدره. شعرت غزل به. استدارت. والتقت العينان. هو: نار، وحديد، وليل ثقيل. هي: كسر، ودموع، وعباءة سوداء. عشر ثوانٍ كاملة مرّت… كأن العمر كله انضغط فيها. نزلت غزل يونس إلى الأرض، وضغطت على كتفه الصغير. غزل: “بص يا يونس دا جاسر” رفع يونس عينيه إلى جاسر.
تأمله بفضول. ثم أشار إليه بإصبعه الصغير، وقال ببراءة هزّت المكان: يونس: “ده اللي انتي قولتي عليه إنه بابا صح؟” انشقت الحارة إلى نصفين. شهقة جماعية خرجت من الأفواه، كأن أحدهم ألقى قنبلة في منتصف الشارع. النسوة وضعن أيديهن فوق صدورهن، والرجال تبادلوا نظرات مذهولة، أما الأطفال فتعلقوا بأطراف أمهاتهم وهم لا يفهمون سوى أن مصيبة ضخمة وقعت.
صاحت امرأة من آخر الصف، وهي تضرب على فخذيها: امرأة: “يا لهوي! يعني الواد ابنه ومن صلبه ؟! جابوه إمتى دول معقول ف الحرام اعوذ بالله من دي نجاسة اعوذ بالله منكم عالم متعرفش ربنا؟!” رد رجل وهو يفرك ذقنه بارتباك: رجل: “معقول؟! هما أصلًا ما اتجوزوش لا ممكن بتكدب جاسر متربي وسطنا وعارفينه كويس تدخل الحاج عطية وقد احمرّ وجهه غضبًا، ولوّح بكفه في الهواء: الحاج عطية: “بتتبلى عليه!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.