الفواتير جوه الكيس، وكل العلب مقفولة. مريم كانت لسه مش مصدقة.— حضرتك جيت فعلًا؟آدم بص لها باستغراب بسيط.— أيوه. إنتِ قولتي إن بنتك محتاجة تاكل. في اللحظة دي، صوت عياط ملك طلع من جوه الشقة. ملامح آدم اتغيرت. بص ناحية الصوت، وبعدها رجع بعينيه لمريم. مكنش في نظرته شفقة، ولا استعلاء، ولا حتى فضول. كان فيه وجع حقيقي.
قال بصوت واطي: — أرجوكي ادخلي رضعيها. اقفلي الباب براحتك، وأنا هستنى هنا لحد ما تطمني إنها قدرت تاكل. مريم سحبت الكيسين لجوه. ولما فتحتهم، اتصدمت من اللي شافته. ست علب لبن صناعي من النوع اللي ملك بتشربه، وعبوتين حفاضات، ومناديل مبللة، ودواء خافض للحرارة مناسب للأطفال، وببرونات جديدة. وفوق كل ده، كان فيه أرنب صغير من القماش، لونه أبيض، مربوط حوالين رقبته شريط وردي.
مريم مسكت علبة اللبن وهي مش قادرة تتكلم.— ده كله بكام؟!— مش فاكر بالظبط. — دي حاجات بمبلغ كبير جدًا! أنا طلبت ٣ آلاف جنيه بس!آدم ابتسم ابتسامة خفيفة.— إنتِ مكنتيش بتطلبي مني أنا. إنتِ كنتِ فاكرة إنك بتطلبي من صاحبتك. إنتِ أصلًا عمرك ما طلبتي مني أي حاجة. مريم بصت للراجل الغريب اللي واقف في طرقة العمارة، بينما بنتها لسه بتعيط جوه.
وبالرغم من كل التحذيرات اللي كانت بتدور في دماغها، لقت نفسها بتفك السلسلة الحديدية.— اتفضل يا أستاذ آدم… بس أحب أوضح لحضرتك إن صاحبتي معايا على التليفون، وعارفة اسمك ورقم عربيتك. آدم هز راسه بجدية.— وده بالظبط اللي كان المفروض تعمليه. من حقك تتأكدي إنك آمنة. دخل الشقة بخطوات هادية، ووقف جنب الباب، من غير ما يتحرك ناحية الصالة.
مريم جريت على المطبخ عشان تغسل الببرونة وتجهز الرضعة. لكن إيديها كانت بتترعش لدرجة إن شوية مياه وقعوا على الرخامة. آدم قرب خطوة وقال: — ممكن أساعدك؟مريم ردت بسرعة: — لا، شكرًا. أنا عارفة أعملها.— أنا عارف إنك تقدري. الكلمتين دول خلوها تسكت. لأن طريقته مكنش فيها أي محاولة إنه يفرض نفسه أو يحسسها إنها عاجزة. كان بيتكلم كأنه فعلًا مصدق إنها قادرة، وإن كل اللي محتاجاه هو حد يقف جنبها شوية.
مريم بصت له لحظة، وبعدها مدتله الببرونة.— ممكن تحطلي المياه بالمقدار المكتوب هنا؟— طبعًا. آدم قرأ التعليمات المكتوبة على العبوة، وقاس المياه بالكمية المحددة، بينما مريم جهزت اللبن بالطريقة الصحيحة. ولما الرضعة بقت جاهزة، أخدتها منه وقعدت على الكنبة القديمة اللي قماشها كان مقطوع من الجنب. حضنت ملك، وقربت الببرونة من بقها. الصغيرة مسكتها بشراهة، وبدأت ترضع كأنها كانت مستنية اللحظة دي من ساعات. وفجأة… الشقة كلها هديت.
مبقاش فيه غير صوت ملك وهي بتبلع اللبن، وصوت عقارب الساعة القديمة اللي معلقة على الحيطة. مريم نزلت راسها، وحاولت تمنع دموعها. لكنها مقدرتش. انفجرت في العياط. عياط مكتوم، طالع من قلب أم فضلت شهور تحارب الدنيا لوحدها، وتحاول تثبت لكل اللي حواليها إنها قادرة تكمل. آدم قعد على الكرسي المقابل ليها. ما قالهاش متعيطيش. ما قالهاش إن كل حاجة هتبقى كويسة. وما حاولش يديها وعود كبيرة هو نفسه مش عارف هيقدر ينفذها ولا لأ.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.