الغريب نورهان العشري

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

أما صاحبتها الوحيدة، «نهى»، فكانت الشهر اللي فات ساعدتها في دفع الإيجار، وهي نفسها عندها طفلين ومصاريفهم مكفية عليها بالعافية. كرامتها كانت بتقولها تقفل الموبايل وتستحمل لحد الصبح. لكن صوت ملك كان بيقولها إن كرامتها مش أهم من جوع بنتها. افتكرت إن نهى كانت مغيرة رقم موبايلها من فترة، ففتحت الرسالة اللي كانت باعتاها لها بالرقم الجديد. نسخت الرقم بإيد بتترعش، وفتحت رسالة جديدة.

وكتبت: «معلش يا نهى، ممكن تسلفيني ٣ آلاف جنيه عشان أجيب لبن لملك؟ هقبض الخميس الصبح، والله هرجعهملك. بنتي ما أكلتش كفاية النهارده، ومش عارفة أعمل إيه تاني.» فضلت مريم باصة للرسالة كذا ثانية. كانت حاسة إن كل كلمة فيها بتكسر حتة من كرامتها. لكن ملك أنَّت وهي مدفونة في حضنها. فضغطت مريم على زر الإرسال. وفي اللحظة اللي الرسالة خرجت فيها، حسّت بالخجل بيغرقها من أولها لآخرها.

كانت عندها تمانية وعشرين سنة. اشتغلت سنين طويلة كمساعدة تمريض في دار مسنين خاصة في القاهرة، وكانت بتشتغل ورديات طويلة، تساعد كبار السن في الأكل والحركة والاستحمام، وتحافظ على كرامتهم حتى في أصعب لحظاتهم. من وهي عندها تسعتاشر سنة، وهي بتصرف على نفسها وبتدفع فواتيرها من غير ما تمد إيدها لحد. لحد ما ملك قررت تيجي الدنيا قبل ميعادها بعشر أسابيع.

من يوم ولادتها، ومريم كانت بتقضي كل دقيقة تقدر عليها جنب حضّانة بنتها، تراقب صدرها الصغير وهو بيطلع وينزل، وتدعي ربنا إنها تقدر تتنفس لوحدها وتعيش. في الأول، مدير دار المسنين وعدها إنه هيحافظ على وظيفتها لحد ما بنتها تتحسن. لكن بعد تلات أسابيع بس، وصلها قرار إنهاء خدمتها بحجة «عدم الانتظام في الحضور».

ولما ملك خرجت من الحضّانة أخيرًا، كانت مريم خسرت شغلها، ومدخراتها كلها، وبقى عليها ديون علاج ومصاريف مستشفيات قربت من ٣٥٠ ألف جنيه. بعد شهور من البحث، قدرت تلاقي شغل في مركز خدمة عملاء في القاهرة. مرتبها كان بالعافية بيكفي الإيجار، والكهربا، والغاز، والحفاضات، ولبن الأطفال اللي معدة ملك الحساسة كانت بتستحمله. مريم عملت كل اللي تقدر عليه. ومع ذلك، بنتها كانت جعانة.

وفجأة، موبايلها اهتز. مريم خطفته من إيدها بسرعة. الرسالة وصلت.«أنا مش ببعت فلوس لحد معرفوش. قوليلي نوع اللبن اللي بنتك بتشربه وعنوانك.» مريم عقدت حواجبها. الكلام ده مش كلام نهى خالص!رجعت تبص على الرقم اللي بعتتله. وفي اللحظة دي، قلبها وقع في رجليها. رقم واحد كان غلط!كانت باعتة الرسالة لشخص غريب تمامًا. إيديها تلجت، وكتبت بسرعة: «أنا آسفة جدًا، بعت لحضرتك بالغلط. الرقم طلع مش رقم صاحبتي. أرجوك تجاهل الرسالة.

» الرد وصل في ثواني.«ممكن أتجاهل رسالة اتبعتت بالغلط، لكن مقدرش أتجاهل إن فيه طفلة جعانة. بنتك بتشرب نوع لبن إيه؟ » مريم فضلت باصة للشاشة وهي مش مستوعبة. مين الشخص ده؟ممكن يكون نصاب. ممكن يكون حد بيحاول يستغل ظروفها. أو يمكن واحد من الناس اللي بيحبوا يصوروا المحتاجين، وينزلوا فيديوهاتهم على فيسبوك عشان يجمعوا مشاهدات وتعليقات. وممكن يكون شخص ييجي لحد بابها، وبعدها تلاقي نفسها في مصيبة أكبر.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق