»نورهان بلعت ريقها وكتفت إيديها على الترابيزة: — «ما أنا قلتلك، هقولهم إننا متفقين نبعد حياتنا الشخصية عن الشغل والوسط، وإنت منتقي تحركاتك بالعافية.»هزيت دماغي بابتسامة خفيفة، وخدت فنجان القهوة شربت منه أول بوق بعد ما برد: — «حلو الكلام ع الورق... بس أنا عمري ما دخلت بيت عيلة وأنا بدور على مبرر.
لو هدخل البيت ده، هدخله بوضعي الحقيقي، مش ككومبارس بيمثل دور حبيب على قد الفلوس اللي محطوطة على الترابيزة دي.»رجعت الألف دولار ناحيتها بهدوء، كأنها ما تعنيليش أي حاجة. بصت للفلوس وبعدين بصتلي بصدمة وعينيها لمعت بدموع خفيفة مستخبية ورا العند: — «يعني إيه؟ هترفض؟ طيب والمية دولار اللي حطيتها...؟»— «الفلوس بتاعتك في جيبك، أنا ما بتاخدش عشان أمثل دور في مسرحية خايبة يا نورهان.
.. بس الصراحة؟ عجبني دماغك، وعجبتني الشجاعة اللي مخلياكي تقفي قدام أمك ومجتمعها كله عشان مخبز وحلويات.» وقفت من على الكرسي وعدلت جاكيت البليزر بتاعي، «القهوة عليا... ومادام الحكاية فيها جدة جدعة وعيلة بتفرض سيطرتها، فأنا فاضي لحد آخر النهار، وخليني أشوف الست الوالدة دي هتقول إيه لما تشوفني قدامها.»فتحت بوقها مش مصدقة، كأنها مش متخيلة إن البني آدم اللي كان لسه بيهزر معاها من دقيقة يقلب الجيم بالسرعة دي.
وقفت بسرعة وهي بتلمس أطراف فستانها بتوتر: — «إنت... إنت بتهزر صح؟ هتيجي معايا بجد؟ من غير فلوس؟»مشيت خطوتين وابتسمت وأنا ببص لها من فوق نظارة الشمس اللي رفعتها على شعري: — «أنا لا بهزر، ولا بحب أخسر رهان... خصوصاً لو الخسران فيه واحدة بتعمل أحلى باتيسري في السر. يلا يا هانم، ركبي عربيتك وراهي، وخلينا نروح نبارك لست الكل.
»في عربيتي المرسيدس السوداء الفخمة، كانت نورهان قاعدة جنبي وهي باصة للمراية بتوتر كل دقيقتين، كأنها مش مصدقاني. — «على فكرة، عربيتك دي مش ماشية مع قصة إنك "شاب ظروفه على قدها" اللي أنا مخترعاها في الليست بتاعتي!» ضحكت بصوت عالي وأنا بلف الطارة عشان أدخل الشارع الرئيسي المؤدي للمعادي: — «مين قالك إن حبيبك المزيف ظروفه على قدها؟
ما أنا قولتلك عندي شركات ومقاولات، مشكلتك بقى إنك ما قرتيش الجورنال للاخر يا ست نورهان.»وصلنا قدام ڤيلا قديمة وراقية في قلب المعادي، عربيات فارهة كتيرة واقفة برة، وشكل العيلة من برة يوحي بإننا داخلين معركة حامية مش مجرد عزومة غدا. نورهان نزلت من العربية، وخدت نفس طويل قوي طلعه صدرها ببطء، ومدت إيديها ناحيتي، كأنها بتطلب إذن مش مساعدة: — «آخر فرصة.
.. لو حابب تهرب، الباب وراك أهو.»بصيت لإيدها الممدودة، وبعدين مسكتها بكل ثقة وسحبتها جنب دراعي الشمال، وبصيت في عينيها مباشرة: — «عمر الشاذلي عمره ما هرب من معركة يا نورهان... خصوصاً لو فيها قهوة مظبوطة في الآخر. اعدلي ضهرك، ويلا بينا ندخل.»دخلنا الصالون الواسع، الزحمة كانت مليانة ضحكات عالية ورائحة أكل فاخر ملوكي.
أول ما دخلنا، الأنظار كلها اتوجهت علينا. مش عشان نورهان وبس... بل عشان الراجل اللي ماشي جنبها وهادئ لدرجة مرعبة. وهناك، في وسط القعدة، كانت قاعدة ست خمسينية بملامح حادة وفستان شيك جداً، وجنبها شاب تلاتيني ببدلة كلاسيك وبصات كلها ثقة... كريم منصور. سهام سامح، والدة نورهان، قامت من مكانها وهي بتبصلي بنظرة تحليلية صارمة، وقالت بصوت جاد: — «نورهان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.