مجرد مخزن ضيق، ريحته مكتومة، وبابه كان مقفول عليها من بره. أول ما ليلى شافتني، قامت تجري ناحيتي بكل قوتها. رمت نفسها في حضني، وبدأت تعيط بحرقة.«تيتة! تيتة!»حضنتها جامد، وفضلت أبوس راسها من فوق الطرحة.«أنا هنا يا حبيبتي... خلاص، أنا معاكي.
»اتعلقت في رقبتي، وقالت وسط عياطها:«أنا حاولت متبوظش الصور يا تيتة... والله حاولت أبقى شاطرة.»حسيت بدموعي بتنزل على خدها.«إنتِ معملتيش أي حاجة غلط يا روح قلبي. إنتِ شاطرة، وأحسن بنت في الدنيا.»بعد شوية، بعدت عني سنتيمترين، وبصتلي بعينيها الحمرا.«هو بابا زعلان مني؟
»السؤال ده كان كفيل إنه يهد أي أم أو جدة. طفلة محبوسة في مخزن، محرومة من الأمان، ومع ذلك أول حاجة بتفكر فيها هي إذا كان أبوها زعلان منها ولا لأ!مسحت دموعها بإيدي.«لأ يا حبيبتي، إنتِ معملتيش حاجة تخلي حد يزعل منك.
»لكن الحقيقة اللي كانت جوايا، إني مكنتش عارفة أقولها إيه. لأن أبوها، اللي المفروض يكون أول واحد يجري عليها، كان واقف في القاعة بيحتفل بفرحه، ولا على باله بنته فين. شيلت ليلى بين دراعاتي، وخرجت من المخزن، ومروة ماشية جنبي وهي بتعيط من غير صوت.
رجعنا ناحية القاعة.ومع كل خطوة، كنت بحس إن الغضب جوايا بيزيد. مش بس علشان نهى أهانت حفيدتي. لكن علشان محمود سمح لمراته الجديدة إنها تتعامل مع بنته كأنها عبء لازم يتخبى. أول ما دخلنا القاعة، كام ضيف بدأوا يلاحظوا إن في حاجة غريبة.
المزيكا كانت لسه شغالة، لكن بعض الناس بطلت كلام، وعيونهم اتجهت ناحيتنا. محمود كان واقف جنب نهى، وبيتصور مع مجموعة من أصحابه. أول ما شافني شايلة ليلى، ابتسامته اختفت. قرب مننا بسرعة، وبص لبنته.«إنتِ كنتِ فين يا ليلى؟»البنت خبّت وشها في كتفي، ومردتش.
بصيتله بصدمة.«إنت بتسألها هي كانت فين؟! المفروض تسأل نفسك إزاي بنتك اختفت كل الوقت ده ومحدش فيكم دور عليها!»نهى قربت بخطوات هادية، وهي بتعدل طرحة فستانها الأبيض. بصت لليلى، وبعدها بصتلي بابتسامة مصطنعة.«آه، أهي ليلى.
أنا كنت عارفة إنها هتكون في مكان آمن.»بصيتلها وأنا مش مصدقة برودها.«مكان آمن؟! إنتِ حابساها في مخزن مقفول بالمفتاح!»نهى رفعت حواجبها، وكأنها مش فاهمة أنا بتكلم عن إيه.«أنا محبستهاش. أنا بس خليتها تقعد شوية بعيد عن الزحمة.»«بعيد عن الزحمة؟
! في أوضة تخزين مفيهاش شباك؟!»بدأ بعض الضيوف يبصوا لبعض، والهمس انتشر بين الترابيزات. نهى بصت لمحمود، وكأنها مستنياه يتدخل. وفعلًا، محمود اتحرك ناحيتي، وشه متوتر، وصوته واطي لكنه حاد.«يا طنط إلهام، كفاية بقى. إنتِ ليه عايزة تعملي مشكلة في يوم زي ده؟
»بصيتله بذهول.«أنا اللي عايزة أعمل مشكلة؟!»شاور على ليلى.«البنت كويسة أهي، ومفيش حاجة حصلتلها. الموضوع كله عشر دقايق، مش أكتر.»قلتله وأنا بحاول أسيطر على صوتي:«عشر دقايق كانت قاعدة في الضلمة لوحدها، وبتترعش من الخوف، وبتفتكر إن أبوها مش عايزها علشان شكل راسها!
»محمود اتنهد بضيق.«يا طنط، نهى مكنتش تقصد. هي بس كانت عايزة الصور تطلع حلوة.»بصيت لنهى.«يعني إيه الصور تطلع حلوة؟ على حساب كرامة طفلة مريضة؟!»نهى ردت ببرود:«أنا مقلتش إنها مريضة. أنا قلت إن شكلها مش مناسب للصور اللي أنا مرتباها.
الفرح ده متكلف فيه كتير، وكل حاجة لازم تطلع بأحسن شكل.»حسيت إني مش قادرة أستوعب اللي بسمعه.«يعني بنت عندها خمس سنين، ولسه بتحارب السرطان، وجودها في الصور بقى مشكلة بالنسبة لك؟!»نهى اتنرفزت.«أنا مش مضطرة أبررلك كل حاجة بعملها!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.