. بكرة الصبح ليكي موعد مع دنيا جديدة وتاريخ جديد.» طلعت شمس اليوم الجديد على القاهرة، ومبنى شركات «المنشاوي جروب» الزجاجي الضخم في وسط البلد كان بيلمع تحت أشعة الشمس. الموظفين والمديرين كانوا واقفين في الصالة الرئيسية في حالة هرج ومرج، بيهمسوا بصدمة عن الأخبار اللي نزلقت في كل الجرايد والتلفزيون عن القبض على رانيا وطارق الشاذلي بتهم التزوير والشروع في القت/ل.
وفجأة… الأبواب الزجاجية الكبيرة اتفتحت. دخل أسطول حراسة، وفي النص كان الحاج فؤاد المنشاوي، وجنبه… سلمى. الكل اتسمر في مكانه والهمسات اتخرست تماماً. سلمى مكنتش البنت المكسورة بتاعة إمبارح، ولا لابسة الفستان الأزرق المقطوع اللي حاولوا يذلوها بيه. كانت لابسة بدلة رسمية سودا كلاسيك في غاية الشياكة والأنقاة، شعرها مرفوع بثقة، والإسورة الدهب المرصعة بالألماس بتلمع في معصمها، وفي عينها نظرة قوة وكبرياء تخلي أي حد يبصلها يقف لها احترام.
مشيت بخطوات ثابتة ترن في الصالة الواسعة، والموظفين بدأوا يوسعوا لها الطريق وينحنوا لها بهيبة. فؤاد أخدها في الأسانسير البانورامي لحد الدور الأخير، ووقفوا قدام باب مكتوب عليه بالمذهب: (مكتب رئيس مجلس الإدارة). فؤاد فتح الباب بالراحة، وشاور لها تدخل. المكتب كان ضخم، ومفروش بخشب الأرو العتيق، المطل على منظرة الساحر للنيل والقاهرة كلها من الشباك الزجاجي العريض.
وفي النص، كان فيه كرسي جلد اسود فاخر خلف مكتب فخم. فؤاد بص لها بابتسامة مليانة فخر ودموع مكتومة: — «الكرسي ده كان بتاع أباكي سليم الله يرحمه.. فضيل فاضي من عشرين سنة ومستني صاحبته الحقيقية ترجع تقعد عليه. اتفضلي يا سلمى هانم المنشاوي.. استلمي حلالك.» سلمى مشيت بخطوات بطيئة، حطت إيدها على ظهر الكرسي الجلد، ولمست الخشب الدافي.
افتكرت الأيام اللي كانت بتنام فيها على الأرض الباردة في أوضة الفران، واللقمة الناشفة اللي كانت بتاكلها بذل، والضحكات الخبيثة اللي اتضحكت عليها في الحفلة.. ورجعت بصت لصورك انعكاسها في الإزاز الضخم. سحبت الكرسي بالراحة، وقعدت عليه بكل ثقة ورزانة. حطت إيدها على المكتب، ورفعت راسها لفؤاد وقالت بصوت هادي، بس جواه قوة تهز جبال: — «اطلب لي المحامين ومجلس الإدارة يا عمي.
. الحرب اللي بدأت إمبارح بالليل، هتخلص النهاردة بشركائهم كلهم، وحق كل مظلوم هيرجع لأصحابه.» …….. ساعة واحدة بس كانت كفيلة إن قاعة الاجتماعات الكبيرة في الدور الأخير تتملي بأعضاء مجلس الإدارة. رجال أعمال ببدل غالية ووجوه مشدودة، بيهمسوا في أذن بعض والرعب باين في عينيهم بعد انتشار خبر القبض على رانيا وطارق في كل وسائل الإعلام. الباب الخشبي التقيل اتفتح، ودخلت سلمى ومعاها الحاج فؤاد والفريق القانوني.
الهدوء خيم على القاعة زي صمت المقابر، والعيون كلها اتعلقت بـ سلمى اللي مشيت بثبات لحد ما قعدت في رأس الطاولة.. الكرسي الرئيسي اللي كان فاضي من سنين. واحد من كبار أعضاء المجلس، راجل ستيني وشره اسمه «السويفي»، حط إيده على الطاولة وبصلها بنظرة قللت من شأنها وقال بنبرة مليانة تعالي: — «إيه المهزلة دي يا حاج فؤاد؟!
المجموعة بتواجه أزمة أسهم وانهيار في البورصة، وانت جايب لنا بنت صبية ملهاش في السوق ولا تفهم حاجة عشان تقعدها على كرسي الإدارة؟ إحنا بشركات بمليارات، والبيزنس مش بيتدار بالعواطف!» سلمى بصلته ببرود شديد، حطت إيديها الاثنين على الطاولة، وشابكت صوابعها والإسورة الألماس بتلمع تحت الإضاءة. ابتسمت ابتسامة هادية وقالت بصوت واثق ومزلزل: — «الشركات بتتدار بالعدل والحق يا سويفي بيه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.