اتزحليت ورا حيطة خرسانية، وبدأت أتعامل معاهم بحرفية تامة، واحد ورا التاني، وأنا بكرر في سرّي: "مو. تتوا إيلين.. وجيتوا لحد عندي عشان تاخدوا السر.. بس مش هتمشوا من هنا غير وأنتم عارفين أنا مين كويس أوي."لما خلصت آخر واحد فيهم، الطرقة بقت هادية تمامًا مفيهاش غير صوت الأنفاس العالية ورائحة البارود والدم.
قربت من قائد المجموعة اللي كان لسه فيه رمق من الحياة، ووطيت عليه ومسكت رقبته بحدة:— "أنطق.. ياسين أخويا فين؟ ومين اللي باعتكم؟
"فتح عينه بصعوبة، وبص لي بابتسامة سخرية وهو بينزف وقال بصوت خافت:— "أخوك... ياسين مش بعيد زي ما أنت فاكر... وهو اللي بيلعب باللعبة دي كلها من الأول... وللأسف يا محمود... الدور جاي عليك."لفظ أنفاسه الأخيرة وسابني في صدمة أكبر من كل اللي فاتوا.
ياسين عايش؟! وممكن يكون هو اللي بيدبر كل ده بنفسه؟!قمت وأنا عيني تقدح شرار، وطلعت على برة متوجه لعربيتي. السر اتفتح كله، واللعبة دخلت مرحلة الدم، ولازم ألاقي ياسين بنفسي قبل ما اللعبة تنتهي بينا احنا الاتنين.
……….دست على بنزين العربية بأقصى سرعة، وعجلاتها صرخت على الإسفلت وهي بتتحرك كأنها طلقة طايرة في شوارع القاهرة الخالية. الكلمات الأخيرة للراجل كانت بتتردد في دماغي زي طلقات الرصاص: "أخوك ياسين مش بعيد.. وهو اللي بيلعب باللعبة دي كلها من الأول!"يعني إيه؟! ياسين عايش وهو اللي مدبر كل ده؟
طيب ليه سابني أعيش 12 سنة وأنا بحرقه من جوه على مو. ته؟ وليه يربط طفلة زي ليلى وإيلين باللعبة دي؟ أسئلة كتير بتخبط في دماغي وتخليني أدوس على البنزين أكتر وأنا ماشي على طريق المقطم. وصلت للمخزن القديم في أطراف الجبل. مكان مهجور ومقطوع، شبابهيكه مكسورة وحيطانه مسودة من الزمن.
نزلت من العربية وسلاحي في إيدي، وعيني بتفحص المكان بحذر شديد. فتحت الباب الحديدي ببطء، وكان صوت زعيقه بيتردد في السكون:— "سليم! يا ليلى!"صوت خطوات بتتحرك جوه، وبعدها ظهر سليم من خلف زاوية مظلمة وهو بيتنفس بصعوبة وواخد ليلى في ح. ضنه.الطفلة أول ما شافتني، فكت نفسها وجريت عليا وهي بتعيط:— "عمو محمود!
"وطيت شلتها في ح. ضني وطبطبت على ضهرها بحنان، وبصيت لسليم وسألته بلهفة:— "حصل حاجة وأنا في الطريق؟ حد حس بكم؟"سليم هز راسه بالنفي وقال بصوت مرتبك: — "لا يا باشا، محدش حس بينا.
. بس.. بس فيه حاجة غريبة حصلت من دقايق!"عقدت حواجبي وسألته: "حاجة إيه؟ انطق!"سليم شاور بصباعه على مكتب قديم في آخر الأوضة: — "تلفون المخزن الأرضي.. رن!"اتجمعت في دماغي كل خيوط اللعبة. المخزن ده مفيش مخلوق في البلد كلها يعلم بيه غيري أنا وسليم.
فلما التليفون يرن هنا، معناه إن فيه حد عارف مكاننا بالمللي، وحد مستنينا نتحرك!قربت من المكتب ببطء، ومديت إيدي ورفع السماعة، وقلت بصوت حاسم وجدي:— "مين؟"سكتة قصيرة، وبعدين جه صوت هادي، مألوف، وصوته بيتردد في وداني كأنه جاي من عالم تاني.
صوت شخص المفروض إنه مات من 12 سنة وتحت التراب:— "أهلاً يا محمود.. طول عمرك بتوصل متأخر يا أخويا."اتلجمت مكاني، ولساني نشف في حلقي. حسيت إن الدم اتجمد في عروقي. ده مش صوت غريب.. ده صوت ياسين!رديت بصوت مرتعش ومش مصدق نفسه: — "ياسين؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.