»انطلقوا الاتنين ومعاهم أربعة من أجدع رجالة الدار، ممسكــ,,ـــــين بالنبوت والمشاعل اللي نورت سواد الليل في طريقهم لمخزن الغلال اللي كان واقع على أطراف الأرض، قريب من الترعة. من بعيد، شافوا النور بيرقص على حيطان المخزن الطوب اللبن، وشافوا تلاتة من رجالة المعلم رجب واقفين ومعاهم جراكن الجاز، وبيحاولوا يكبّوا السائل على الباب الخشبي القديم قبل ما يولعوا فيه. حسن ما استناش يقربوا أكتر، وصرخ بصوت رعد هز الكادوم والزرع: — «يا ولاد الحرام!
بتمتدوا إيدكم على دار حسن الشناوي؟!»التفتوا الرجالة مفزوعين، وحاولوا يجروا، بس سرعة رجالة الدار كانت أسرع. صابر ومرسي هجموا عليهم زي الصقور، ونشبت خناقة سريعة بالنبوت والعصيان. واحد من رجالة رجب حاول يهرب وجري ناحية الترعة، بس زينب كانت أسرع منه؛ قطعت عليه الطريق بخطوة واثقة، ورفعت مفتاحها الإنجليزي في وشه وقالت بابتسامة سخرية: — «رايح فين يا شاطر؟ لسه الحساب ما خلصش!
»الراجل اتخض، ووقع على الأرض من الخوف، وفي ثواني كان صابر كتّف درعاته وربطه بحبل متين. المعركة خلصت في دقايق معدودة، ومخزن الغلال اتصلح موقفه ونجا من الحــ,,ـــــريق في آخر لحظة. حسن وقف يمسح العرق من على جبينه، وبص للأسير اللي مرعوب قدامه، وبعدين وجه نظره لزينب اللي كانت واقفة جنب الحائط بتنفض هدومها من التراب بكل هدوء، كأنها كانت في نزهة مش معركة.
— «شكلك مش مجرد ست بتصلح عربيات يا زينب.. شكلك وقعتي على راس المعلم رجب ورطة مش هينظف منها العمر كله.» حسن قالها وهو بيبتسم بتقدير. زينب قربت منه وقالت بصوت جاد يخترق ظلــ,,ـــــمة الليل: — «الورطة لسه في أولها يا أستاذ حسن.. بكرة الصبح، أنا وأنتَ هنروح لحد عنده في قلب البلد، ومش هنمشي إلا ودفتر الحق راجع لحــ,,ـــــضننا، والكل هيعرف مين هو المعلم الحقيقي!»………الصبح طلع بشمس ساطعة كشفت أثر ليلة طويلة من التوتر.
نسيم الصباح في الريف كان محمل بريحة الطين والندى، بس الجو جوه دار حسن الشناوي كان مشحون بطاقة تخلّي الحجر يتكلم. حسن كان واقف في الحوش بيسرّج حصانه الأصيل، ولابس عبايته فوق جلابيته الصفي، وشاكّ في جنبه سكــ,,ـــــينة بلدي مطعمة بالصدف. بص وراه، لقى زينب طالعة من الأوضة، لابسة عباية سوداء محكمة، وطرحة غامقة ملفوفة حوالين راسها بعناية، وماسكة في إيدها شنطة جلد صغيرة جواها الدفتر، وفي إيدها التانية مفتاحها الإنجليزي كأنه سلاح مش أداة تصليح.
— «جاهزة؟» حسن سألها بصوت هادي كأنهم رايحين سوق مش حرب. زينب ربطت ربطة دراعها بحماس وقالت: — «من زمان يا أستاذ حسن.. يلا بينا.»ركبوا الحصانين، ومعاهم اتنين من رجالة الدار، وخدوا الطريق الترابي المؤدي لقلب البلد، لحد ما وصلوا قدام أكبر ورشة ومضايفة في الناحية. . ورشة المعلم رجب البنا. المكان كان زحمة، وصوت الدق على الحديد والجرارات المخلعة شغال.
أول ما شافوا حصان حسن الشناوي جاي من بعيد، الحراسة سكتت، والرجالة وقفت مكانها، وطلع المعلم رجب من مكتبه وعبايته السوداء مفكوكة، وعيونه بتطلع شرار. وقف رجب في نص الطريق ورفع إيده وقال بصوت عالي سمعه الكل: — «أهلاً بـ سي حسن.. منور, بس شكل خطوتك خابت المرة دي، وجايب معاك الحرامية لحد باب بيتي برجليها!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.