» زينب قربت خطوة ووطت صوتها: «الدفتر ده بيساوي مبالغ تخلّي المعلم رجب يشرب دمّي عشان يلاقيه، لأنه مفتاح الشغل كله.»حسن بص حواليه عشان يتأكد إن مفيش حد قريب يسمع الكلام ده، وبعدين بص لها بعين الفاحص اللي بيوزن الرجال مش الستات. سكت لحظة يبتلع الكلام، وبعدين قال:— «يعني أنتِ جاية بيتي عشان تهربي بالدفتر ده؟»زينب ضحكت ضحكة قصيرة مليانة تحدي، وعينيها لمعت:— «أنا ما بهربش يا أستاذ حسن.
أنا جيت اشتغل عند أختك عشان بعيدة عن عيون المعلم رجب، وكمان عشان أصلح العربية النقل بتاعتك اللي بقالها تلات أيام ومفيش صنايعي في البلد كلها عرفوا يدوروا مسمار فيها. »حسن حس بإن غروره كصاحب أرض وراجل كبير اتخبط خبطة خفيفة، بس في نفس الوقت احترم جرأتها وصراحتها. هز راسه ببطء، وابتسامة خفيفة ظهرت على جنب شفايفه:— «طب والعربية؟ لو صلحتيهَا، المعلم رجب مش هيسكت، وهيرجع برجالته مش ببعت واحده.
»زينب نزلت تاني على ركبها تحت العربية، وطلعت مفتاح تاني وبدأت تفك المسمار المكسور بكل ثقة:— «خليه يرجع برجالته كلهُم… وساعتها أنا وأنتَ هنشوف مين فينا اللي هيحتاج شاهد.»حسن وقف باصص عليها وهي شغال، وحس لأول مرة من سنين إن البيت ده هيدخله طوفان مش مجرد شغالة جديدة للطبخ.
………الصوت الحاد لرقعة المفتاح الإنجليزي وهو بيخبط في جسم العربية كان هو الصوت الوحيد اللي واخد حيز في الحوش الواسع، لحد ما قطعت زينب الشغل وطلعت رأسها من تحت الشاسيه، وبصت لحسن اللي كان واقف متربع في مكانه بيفكر.— «أنت لسه واقف يا أستاذ حسن؟ المساعدين بتوعك اللي واقفين هناك دول، نادِ اتنين منهم يجيبوا فرامل القديمة اللي جوه المخزن، والشغل هيبتدي بجد.
»حسن ما كدبش خبر، ولّع لفة سيجارة بلدي ونادى بصوته الجبلي على اتنين من أجدع رجالة الدار: «يا صابر! يا مرسي! تعالوا هنا حالا، وامشوا وراء كلام الست زينب كأنها أنا بالضبط. »الرجالة جم عيونهم مبروقة من الدهشة؛ إزاي ست تدخل بيت المعلم حسن وتأمر وتنهي من أول ساعة؟ بس احترامهم له منعهم يفتحوا بقهم، وبدأوا ينفذوا الأوامر تحت إشراف زينب اللي كانت بتوجههم بدقة كأنها أسطى كبير قضى عمره كله تحت العربيات.
في خلال ساعتين، كانت العجلتين اتفكوا، وتغيّر المسمار المكسور بواحد أمتن، وتعدلت ظبطة المــ,,ـــــوتور بلمسة سحرية خلت صوت العربية يرجع يتردد في الحتة زي أصل نغمة المعمل. لما دار المــ,,ـــــوتور لأول مرة بصوت هادئ ومظبوط، رجالة الأرض كلهم سقفوا من غير ما يحسوا، وحسن وقف وابتسامة إعجاب خفيفة مرسومة على شفايفه، وهو بيمسح التراب من على إيده. بس الفرحة دي ما كملتش.
قبل ما شمس الظهر تبدأ تميل للغروب، كان صوت حوافر خيول كتيرة جاي من بعيد من ناحية الترعة الترابية. مش حصان واحد زي الصبح.. دول أكتر من أربعة خيول جليبة عليهم رجالة المعلم رجب البنا، ومعاهم المعلم بنفسه، راجل ضخم أسمر لابس عباية سوداء وشايل في إيده عصاية خيزران غليظة. زينب وقفت فجأة، مسحت شحم إيديها في قماشة قديمة، وعينيها لمعت بحدة غريبة وقالت لحسن بصوت واطي: — «أهو جه بنفسه..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.