اتنكرت في زي ميكانيكي انجي الخطيب

نُشر منذ 4 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

تعال معايا المكتب بره... فوراً. رجليا كانت بتجر على الأسمنت كأنها متكتفة بسلاسل حديد. خطوة ورا خطوة، مشيت وراه لحد باب المكتب الخشب القديم اللي في زنق الورشة. عز الدين زق الباب ودخل، وأنا دخلت وراه، وصوت الباب وهو بيتفل ورايا كان زي صوت قفل زنزانة فاتحتها مفيش منها خروج. المكتب كان دافي، ريحة الخشب العتيق والجلود الفخمة مسيطرة عليه، وعلى الترابيزة الكبيرة كان فيه كاس شاي بيرد وأوراق متستفة بعناية.

عز الدين مشي لحد ما وقّف ورا مكتبه، بس مقتعدش. لف وشّه ليا، وسند إيديه الاثنين على طرف الترابيزة، وعينيه المثبتة عليا كانت بتخترقني كأنه بيشوف كل حقيقة حاولت أدفـ,ـنها من سبع شهور. اقفلي الباب والمفتاح. صوته كان واطي، بس خالي تماماً من النبرة اللي اتكلم بيها مع حسام. مكانش فيه غضب، كان فيه هدوء يرعب. إيدي المرتعشة مسكت المفتاح ولفيته. الصوت الصغير ده خلّى جسمي كله يترعش. دلوقتي...

عز الدين قرب خطوتين، ونظرته نزلت من وشي لرباط صدري المخفي تحت القميص، ورجعت تاني لعيوني. من غير كذب، ومن غير تمثيلية آدم راضي اللي شبعت منها... إنتي مين؟ بلعت ريقي بصعوبة، حسيت حلقي ناشف زي الصحراء. حاولت أفك الأفرول المليان شحم، صوابعي كانت بتتلعثم في الأزرار. بصيت للأرض وقولت بنبرة خافتة، والمرة دي سبت صوتي الطبيعي يطلع.

.. الصوت النظيف الناعم اللي مسمعتوش من سبع شهور ملك... ملك عبدالسلام. عز الدين ما اندهش، بس حواجبُه اتعقدت خفيف، وكأنه بيكمل باقي الصورة في دماغه. عبدالسلام... بتاع مجموعات النقل والتخليص الجمركي؟ رهت براسي ببطء وأنا مش قادرة أرفع عيني فيه أيوه. وماجد الشناوي... عز الدين كمل وهو بيميل برأسه، كان المفروض تجوزيه؟ كان حيجوزني غصب عني.

.. صفقة بين أبويا وبينه. هربت ليلة الفرح، قصيت شعري، ولبست هدوم أخويا الله يرحمه، وجيت هنا... عشان أختفي. عشان مفيش حد يدور على بنت في ورشة ميكانيكا للجيزة. رفع عز الدين إيده ومسح على دقنه الهادية، وعينيه كانت بتدرس كل كلمة بنطقها. سبع شهور عايشة وسط الرجالة، بتاكلي وتنامي وتشتغلي في الشحم والتراب... عشان تهربي من الشناوي؟

عشان أهرب من سجن أفظع من ده ألف مرة، رفعت عيني وبصيت له للقطة، والدموع كانت محبوسة في عينيا بتلمع. الشناوي مش راجل اتجوزه يا عز بيك... الشناوي كان هيقـ,ـتل كل حاجة فيا. أنا فضّلت أندفـ,ـن هنا كآدم، ولا إن أكون لعبة في إيده. المكتب ساد فيه سكوت تقيل. عز الدين فضّل باصصلي لثواني طويلة، كأنه بيوزن كلامي على ميزان خاص بيه.

مشي ببطء ناحية الشباك الصغير اللي بيطل على الورشة بره، وبص للصنايعية اللي شغالين. الشناوي مش عبيط يا ملك، عز الدين قال اسمها لأول مرة، وصوت الاسم في المكتب كان غريب، كأنه كشف السر تماماً. حسام مش هيسكت. الشك اللي في عينيه النهاردة هيخليه يقلب الدنيا بره الورشة، وممكن يرجع برجالة أكتر أو يبلغ ماجد بنفسه. قلبي اتخلع، وبدون ما أحس قسيت على إيدي وقولت بلهفة أنا همشي!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.2Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة