قلت الورشة دي يدخلها اللي أسمحله بس. وآدم ده شغال عندي، يعني خصمي وبتاعي. لو فتحت بقك تاني أو بصيت لواحد من رجالتي بالنظرة دي... مش هترجع لماجد الشناوي على رجليك. الخوف ظهر واضح في عينين حسام. هو عارف مين عز الدين المغربي، وعارف إن نفوذ ماجد الشناوي يقف تماماً عند حدود منطقة الجيزة لما ييجي الاسم ده بالذات. حسام رفع إيديه لفوق بإشارة تسليم، وزق نفسه ببطء لورا لما عز الدين ساب ياقت بدلته.
تمام يا عز بيك... وصل المكتوب، حسام قالها وهو بيمسح ياقت بدلته، وبصلي نظرة أخيرية كلها شك وتوعد قبل ما يلف بضهره. هنبلغ الأستاذ ماجد... بس الموضة دي مش هتنتهي على خير. خرج حسام ورجالته الثلاثة، وصوت كوتشات عربياتهم وهي بتسحب في الشارع بره كان زي صفارة إنذار أعلنت إن الخطر أخد نفس بس متمحاش. في الورشة، محدش اتنفس. تامر والصنايعية فضلو واقفين مكانهم كأنهم تماثيل.
عز الدين يادوب شاور بإيده من غير ما يلف كل واحد على شغله. في ثواني، كل الصنايعية جريوا على العربيات، وصوت الشغل رجع يعلى غصب عنهم عشان يداروا على التوتر اللي في الجو. عز الدين لف ببطء. بصلّي. المرة دي النظرة مكانتش مجرد شك... المرة دي كان فيها يقين. عز الدين شاف الرعب اللي كان في عيني لما حسام دخل، وشاف حسام وهو بيركز معايا.
الراجل الذكي اللي زي عز الدين مش محتاج أكتر من اللقطة دي عشان يربط كل خيوط اللعبة. قرب مني بخطوات هادية، وقف قصادي مباشرة، ومسك كاب الورشة القديم اللي كنت لابساه ومغطية بيه باقي شعري المقصوص، ورفعه ببطء شديد من على راسي. الشعر المقصوص بعشوائية نزل على جبهتي، ومع الحركة دي، المسافة القريبة قوي بينهم خلت النظرة تختلف تماماً.
عز الدين بص لعيوني، وبعدين نزل بعينيه للرباط المكتوم تحت قميص الفلانيل الواسع، ورجع بص في عيني تاني. آدم... قال الاسم بتهكم هادي، وبعدين نزل صوته لدرجة محدش يسمعها غيري ... أو أيا كان اسمك الحقيقي إيه. قلبي اتخلع من مكانه. حط كف إيده التقيل على كتفي، وضغط عليه ضغطة خفيفة مش للتخويف، لكن عشان يفهمني إن المفر انتهى. تعال معايا المكتب بره... فوراً. رجليا كانت بتجر على الأسمنت كأنها متكتفة بسلاسل حديد.
خطوة ورا خطوة، مشيت وراه لحد باب المكتب الخشب القديم اللي في زنق الورشة. عز الدين زق الباب ودخل، وأنا دخلت وراه، وصوت الباب وهو بيتفل ورايا كان زي صوت قفل زنزانة فاتحتها مفيش منها خروج. المكتب كان دافي، ريحة الخشب العتيق والجلود الفخمة مسيطرة عليه، وعلى الترابيزة الكبيرة كان فيه كاس شاي بيرد وأوراق متستفة بعناية. عز الدين مشي لحد ما وقّف ورا مكتبه، بس مقتعدش.
لف وشّه ليا، وسند إيديه الاثنين على طرف الترابيزة، وعينيه المثبتة عليا كانت بتخترقني كأنه بيشوف كل حقيقة حاولت أدفـ,ـنها من سبع شهور. اقفلي الباب والمفتاح. صوته كان واطي، بس خالي تماماً من النبرة اللي اتكلم بيها مع حسام. مكانش فيه غضب، كان فيه هدوء يرعب. إيدي المرتعشة مسكت المفتاح ولفيته. الصوت الصغير ده خلّى جسمي كله يترعش. دلوقتي... عز الدين قرب خطوتين، ونظرته نزلت من وشي لرباط صدري المخفي تحت القميص، ورجعت تاني لعيوني.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.