الساعة 317 الفجر، فتحت شباك أوضة الغسيل ونزلت منه، وأنا شايلة شنطة صغيرة فيها فلوس كانت معايا، حوالي 684 جنيه، ومعايا شنطة العدد القديمة بتاعة كريم وهدوم تكفيني كام يوم. ومقفلتش ورايا الباب. لأني كنت عارفة إن ملك عبدالسلام، من اللحظة دي، انتهت. مع أول ضوء للنهار... ملك اختفت. وبدأ آدم راضي يعيش. بعد سبع شهور، كنت شغال في ورشة المغربي لتجديد العربيات في منطقة شعبية ناحية الجيزة.
الورشة من بره شكلها عادي جدًا. بوابة حديد كبيرة، عربيات مركونة، ريحة زيت وبنزين، وميكانيكية شغالين طول اليوم. لكن اللي محدش يعرفه إن الورشة دي كانت بتدخلها عربيات محددة جدًا. عربيات قديمة نادرة، عربيات دفع رباعي مصفحة، وعربيات فخمة بمبالغ محدش بيحب يسأل عنها. وصاحب الورشة كان... عز الدين المغربي. راجل نص القاهرة كانت بتخاف من اسمه، والنص التاني كان بيحاول بكل الطرق ميتخانقش معاه.
كل واحد في الورشة كان عارف قاعدة واحدة ممنوع الكذب على عز الدين المغربي. وأنا؟ كل نفس كنت باخده تحت سقف ورشته كان مبني على كذبة. سبع شهور كاملة عدّت وهو بالكاد خد باله مني. كنت بلبس الأفرول الواسع، بتكلم بصوت واطي، مبدخلش الحمام مع باقي العمال، مبرحش معاهم القهوة، مخرجش معاهم بعد الشغل، ومسمحتش لنفسي أصاحب حد. كنت حاطة حدود حوالين حياتي أعلى من سور. لأن غلطة واحدة... كانت كفاية تدمر كل حاجة.
لحد اليوم اللي عربية عز الدين المغربي القديمة بدأت تعمل مشكلة. كانت عربية موستانج سوداء موديل قديم، وفضلت تقطع وهي شغالة. تلاتة ميكانيكية حاولوا يصلحوها ومحدش عرف. حتى تامر، رئيس الصنايعية في الورشة، كان واقف قدام الموتور بيهز راسه. وأنا كنت شغال على عربية على بُعد كام متر. سمعت صوت الموتور. وفجأة كل حواسي اشتغلت. كان فيه حاجة غلط. حاجة صغيرة جدًا... بس أنا سمعتها. قلت من غير ما أفكر دورها تاني.
تامر بصلي باستغراب. نعم؟ قلت دورها تاني. لف المفتاح. الموتور اشتغل. صوت الموتور كان عالي، لكن وسط الصوت كله كان فيه تلعثم بسيط جدًا. ثانية واحدة... وبعدين اختفى. قربت من العربية وبدأت أفك أجزاء منها. تامر وقف يتفرج عليا. بعد حوالي عشر دقايق، كنت لاقيت شرخ رفيع جدًا في خرطوم فاكيوم قديم مستخبي تحت مجموعة السحب.
رفعت الخرطوم قدام تامر. هو ده. بصلي تامر كأنه مش مصدق. وبعدين قال يا نهار أبيض... إنت لقيتها إزاي؟ ابتسمت غصب عني. ابتسامة صغيرة. لكنها كانت غلطة. لأن في نفس اللحظة... الورشة كلها سكتت. صوت خطوات تقيلة بدأ يقرب على الأرضية الأسمنت. خطوة... ورا خطوة... وكل الصنايعية فجأة بقوا مشغولين بأي حاجة قدامهم. تامر كان أول واحد وشه اتغير. بص ورايا. وشفت الدم بينسحب من وشه. قلبي وقع. لأني عرفت مين اللي دخل.
قبل ما ألف حتى... صوت رجالي هادي قال إيه اللي حصل هنا؟ لفيت ببطء. وكان عز الدين المغربي واقف ورايا مباشرة. ولأول مرة من سبع شهور... الراجل اللي كل اللي حواليه بيخافوا منه بصّ ل آدم راضي نظرة مختلفة. نظرة كأنه... أخيرًا شافني. مش الميكانيكي الهادي. مش الشاب اللي ملوش أهل ولا ماضي. لأ. كأنه لأول مرة حس إن ورا الوش ده... فيه سر كبير.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.