مسرحية قديمة شغالة، وضحكة حماتها حنان الرنانة طالعة مع صوت تكسير لب وقرقضة سوداني. هشام كان ممدد على الكنبة الكبيرة، فارد رجليه كأنه باشا في قصر أجداده، وشيماء أخته بتفرك في شاشة الموبايل وتتريق على فيديو تيك توك. تلاتة عايشين في ملك مش بتاعهم، بياكلوا ويشربوا ويبلطجوا، وهي اللي وارثة الحيطان دي محپوسة في مترين بلكونة بتشحت شوية هوا نضيف تتنفسه.
مريم قفلت عينيها. شريط الأيام السودة كان بيمر قدامها زي كابوس ملوش آخر. افتكرت اليوم المشؤوم في الشهر العقاري في روكسي. اليوم ده هشام جهز لها فنجان قهوة بايده، باس راسها وقالها يا مريومة، أنا بفرش لمستقبلنا، الشغلانة دي لو رست عليا هننقل في كومباوند ونسيب الدوشة، بس محتاجين إثبات ملاءة مالية وتوكيل إدارة وإيداع عشان البنك، إنتِ ضهري وسندي. وهي، العبيطة المکسورة اللي كان لسه كفن أمها وأبوها ماراحتش ريحته من مناخيرها، صدقت.
كانت محتاجة تصدق إن الدنيا مابقيتش سودة، وإن في راجل بيحبها بجد. مضت على أوراق مطبقة ومختومة، وبصمت بالحبر الأزرق على ورق هي مقريتش فيه كلمة واحدة، وافتكرت إن ده مجرد رهن أو ضمان. ولما الورق خلص والتوكيل اتسجل، الوش التاني ظهر. الوش اللي مكنش فيه لا رحمة ولا أصل.
باع الشقة لنفسه بتوكيل رسمي بالبيع للنفس والغير، ومن يومها مبقاش في مريم الزوجة… بقى في مريم الشغالة اللي بتصرف على البيت من مرتبها المحاسبي الهزيل، وتتحمل قلة الأدب عشان مفيش مكان تاني تروحه، ولا أهل تلجأ لهم. أنت فين يا طارق؟ كان عندك حق… سامحني يا أخويا. الهمسة دي طلعت من قلبها، دافية وسط البرد، وتاهت في هوا الليل.
في نفس الدقيقة دي بالظبط، عند مخرج صالة 3 في مطار القاهرة الدولي، كانت في عربية مرسيدس سودا وافية مستنية على جنب. طارق نزل من بوابة الخروج. مكنش نفس الشاب اللي سافر من أربع سنين ودموعه محپوسة في عينه من قهرته على أخته. السنين اللي قضاها في شركات التأمين الدولي وعقود الحراسات في دبي وبغداد نحتت ملامحه نحت.
دقنه كانت مشذبة بدقة، جسمه بقى أضخم وكتفه عريض زي الباب، ولابس جاكيت جلد تقيل فوق قميص رمادي. عينيه، اللي كانت زمان بتلمع بطيبة مهندس ميكانيكا هادي، بقت حادة ومركّزة زي الصقر، بتقرا كل حركة حواليه من غير ما يرمش. في إيده الشمال كان ماسك شنطة سفر صغيرة، وتحت دراعه اليمين فايل جلد أسود، منفوخ أوراق وشهادات ودمغات رسمية ومختوم بخاتم نسر بارز.
أول ما طلع، شاب لابس بدلة كحلي نزل من العربية وجري عليه حمد الله على السلامة يا كابتن طارق. نورت مصر. طارق مد إيده وسلم بقوة، صوته كان هادي ورخيم الله يسلمك يا رامي. جهزت كل اللي طلبته منك؟ رامي فتح له باب العربية الخلفي وقال وهو بيهز راسه كله على مية بيضا يا باشا. الأستاذ فريد المحامي اشتغل على الملف ده تلت شهور متواصلة، وجاب أصل الأصول.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.