التلميحات قلبت بإهانات صريحة، والإهانات بقت روتين يومي مع فطار الصبح وغدا العصر. والضړبة القاضية كانت اليوم اللي هشام جه يطلب منها تمضي على ورق. ضحك عليها وقالها إنه محتاج يضمن قرض سريع عشان يفتح بيه مشروع وشغل خاص بيه، ومحتاج الشقة كضمان مؤقت مش أكتر. مريم، اللي كانت لسه غرقانة في صدمة مۏت أهلها ومغمضة عينيها بحبها ليه، راحت معاه الشهر العقاري ومضت وبصمت على كل ورقة شاور عليها من غير ما تقرا سطر.
شهور معدودة، والوش الحقيقي ظهر. الشقة خلاص اتسجلت وبقت ملكي رسمي بنظام البيع والشراء، هشام قالها وهو بيهز عقد البيع في وشها بابتسامة صفرا يعني عيشتنا دي لو مش عاجباكي، الباب يفوت جمل، ومع السلامة. الأرض لفت بمريم وحست إنها هتقع من طولها. اتنصب عليها في شقى أبوها وأمها، ومضت على عقد بيع مكنتش في وعيها ولا يمكن كانت توافق عليه لو فاهمة.
راحت سألت محامي في السر، قالها إن إثبات التدليس والڼصب في وجود توقيعها في الشهر العقاري حباله طويلة وصعب جداً. وهشام كان عارف ده كويس وبيلعب على النقطة دي. ومن يومها، مريم بطلت تنطق. نزلت تشتغل محاسبة في شركة من الصبح للمغرب عشان تصرف على نفسها، وترجع تكنس وتمسح وتطبخ لتلاتة عايشين عالة عليها وبيعاملوها كأنها شغالة عندهم بلقمتها.
في الليلة دي، وهي قاعدة على طرف السفرة زي الغريبة في بيتها، سمعت شيماء بتضحك باستهزاء على فكرة، الهانم بكرة هتم ال تلاتين. هشام رفع كوباية العصير بتاعته وقال ببرود تلاتين إيه، دي وشها بقى يدي على خمسين سنة من قلة الحيلة. الصالة كلها اتقلبت ضحك وسخرية. مريم بلعت غصتها ونزلت عينيها في الأرض.
على نص الليل، خرجت وقفت في بلكونة الصالة الصغيرة، المكان الوحيد اللي كانت بتهرب فيه عشان تبكي من غير ما حد يسمع شهقتها. بصت على شوارع القاهرة والأنوار اللي طالعة من البيوت، وهمست بكسرة أنت فين يا طارق؟ كان عندك حق في كل كلمة… سامحني يا أخويا. مكنتش تعرف إن في اللحظة اللي نطقت فيها اسمه، كان في راجل لسه نازل من صالة الوصول في مطار القاهرة الدولي بعد غياب أربع سنين كاملة.
ومكنتش تعرف برضه إنه شايل في إيده فايل جواه ورق كفيل يهد في ليلة واحدة كل اللي هشام بناه بالڼصب والكذب. الهوا في بلكونة مصر الجديدة كان ساقع وناشف، بيلسع في الوش زي السكاكين. تحت في الشارع، كشك السجاير اللي على الناصية كان بيقفل شيشه، وعربيات قليلة بتعدي بنور واطي على الأسفلت الهادي. مريم كانت لافه طرحة قطن خفيفة حوالين كتافها، ساندة بكوعها على سور البلكونة الحديد اللي قشر من الرطوبة، وبتبص على كف إيدها.
اللسعة بتاعة الزيت المغلي كانت عملت فقاعة بيضا صغيرة وحواليها دايرة حمرا ملتهبة. الۏجع كان بينبض في عرق إيدها مع كل دقة قلب، بس الۏجع اللي في صدرها كان أخرس وواكل عافيتها أكتر بمراحل. جوه في الصالة، صوت التليفزيون كان لسه عالي؛ مسرحية قديمة شغالة، وضحكة حماتها حنان الرنانة طالعة مع صوت تكسير لب وقرقضة سوداني.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.