كانت خفيفة بشكل مؤلم، وجسمها بيرتعش من البرد. حسن بدأ رحلة العودة ناحية بيته، وهو شايلها على ظهره، وبيتحرك خطوة بخطوة وسط الصخور. الطريق اللي كان صعب في النزول، بقى أصعب بكتير في الرجوع.
لكنه ما وقفش. كان كل شوية يطمن إنها لسه واعية، ويحاول يخليها تتكلم علشان ما تفقدش وعيها. وبعد ساعات طويلة من المشي، بدأت ملامح البيت تظهر من بعيد. وقتها، الست اللي كانت على ظهره بدأت تتحرك، وفتحت عينيها بصعوبة. حسن سمع صوتها وهي بتهمس:
"لازم… لازم تعرف الحقيقة."
حسن وقف مكانه للحظة، وبص لها من فوق كتفه."حقيقة إيه؟"
بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تجمع قوتها. وبصوت متقطع قالت:
"اللي حصل للهليكوبتر… ما كانش بسبب العاصفة."
حسن حس ببرودة غريبة بتسري في جسمه، رغم المجهود اللي كان بيبذله.
لف وشه ناحيتها، وقال:
"إنتِ بتقولي إيه؟"
عينيها بدأت تقفل تاني، لكنها قدرت تهمس بكلمتين قبل ما تفقد وعيها:
"كان فيه… انفجار."
حسن اتجمد مكانه. افتكر قطع الزجاج، وآثار الاحت. كاك على الصخور، والدم اللي كان على الأرض. كل حاجة بدأت تاخد معنى مختلف.لو الهليكوبتر انفجرت قبل ما تقع، يبقى اللي حصل ما كانش مجرد حادث.
لكن مين اللي كان عايز يقتل ليلى الشناوي؟وليه؟وإيه اللي كانت رايحة تعمله في الاجتماع اللي كان ممكن يضاعف ثروتها؟حسن بص للست اللي بين إيديه، وبعدها كمل طريقه ناحية البيت بأقصى سرعة يقدر عليها.
ما كانش يعرف إن إنقاذه ليها مش هيكون نهاية الحكاية…
لكنه هيكون البداية لحكاية أخطر بكتير، فيها أسرار وفلوس وخيا. نة، ومؤامرة ممكن تهدد حياته وحياة بنته الصغيرة. ولسه اللي جاي أخطر… لأن ليلى الشناوي ما كانتش مجرد سيدة أعمال وقعت طيارتها، لكنها كانت عارفة سر لو اتكشف، ناس كتير مستعدة تعمل أي حاجة علشان تدفنه للأبد!
……الشمس لسه يدوب بتشق فجر اليوم الرابع، ونورها الأحمر الباهت بيبدأ ينعكس على قمم صخور سانت كاترين. حسن كان ماشي بخطوات تتقل وتخف على حسب وعورة الطريق، شايل ليلى على ظهره وكأنها جزء من روحه.
عضلات كتافه كانت بتصرخ من التعب، وريحة العرق والتراب مالية الجو، بس صوته كان هادي وبيقاوح وهو بيهمس لنفسه: "قربنا يا ملك.. قربنا يا أبويا".أول ما وصل قدام باب بيته الحجري البسيط، زق الباب برجله ودخل.
حط ليلى برفق شديد على السرير الصغير اللي في الأوضة، وجري بسرعة جاب إزازة مية وفوطة مبلولة. أم محمد الجارة خرجت مخلوعة من الأوضة التانية، وعينها مفتوحة ع الآخر:"يا نهار أسود يا حسن! دي… دي الست اللي الكل بيدور عليها بالهليكوبتر!
" حسن وهو بيحط الفوطة الباردة على جبهة ليلى اللي كانت بتترعش:"أيوه هي يا أم محمد.. الحقي هاتِي لي الشاش والقطن وشوية مية دافية بسرعة، رجلها مكسورة وفيها جروح."أم محمد هزت راسها وطلعت تجري وهي بتلطم على خدها.
حسن قعد على كرسي خشب جنب السرير، وبص لليلى اللي كانت عينيها مقفولة وتنفسها بيصعب عليه. فجأة، بدأت ليلى تفوق بصعوبة، فتحت عينيها الواسعتين بتوهان، وبصت في السقف وبعدين بصت لحسن اللي كان قاعد مصبرهـا. قالت بصوت واطي وخشن من العطش:"أنا… أنا فين؟" حسن بابتسامة دافية حاول يهديها:"إنتِ في أمان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.