الهوا كان نقي، وريحة البحر الممزوجة ببرودة الخريف لطيفة. على ترابيزة خشبية صغيرة في الشرفة، كانت كوباية القهوة المضبوطة محطوطة جنب كتاب مفتوح. أحمد قاعد على كرسي مريح، لابس لبس كاجوال بسيط بعيد عن كتمة البدل ورسميات الشركات، وباصص قدامه بابتسامة رايقة.مريم خارجة من جوه وشايلة صينية عليها فنجانين شاي، وشعرها اللي زادت خيوط الأبيض فيه بوقار وجمال، بانت عليها راحة السنين اللي راحت هباءً وعوضتها الأيام.
قعدت جنب إيده على الكرسي المتابع، وقالت بصوت هادي:— لسه بتفكر في الاجتماعات وبورصة الشحن وأنت قاعد هنا؟
أحمد لف وشها ليها، وخد فنجان الشاي من إيدها، وقال وعينيه بتلمع بحب الدنيا كلها:— أنا كنت بحسب إني زمان بنيت إمبراطورية… بس اكتشفت إني طول الـ 12 سنة اللي فاتوا كنت حافي، وبدور على كنز، وطلع الكنز كله مستنيني على كاشير في كافيه قديم في طنطا.
في اللحظة دي، جه سليم جاري من جوه الفيلا، شنطة المدرسة على كتافه، وجزمته الجديدة بتلمع، ورباطها مربوط بإحكام. نادى بصوت عالي وفرحة مالية قلبه:— ماما! بابا! يلا عشان المدرسة، عم حسن السواق مستني بره!
أحمد ومريم بصوا لبعض، وضحكوا ضحكة طويلة صافية، كأنهم بيودعوا بيها كل وجع السنين اللي فاتت. قام أحمد، وخد شنطة ابنه على كتافه، ومد إيده التانية لمريم اللي قامت بكل حب وثقة، ومشيوا التلاتة من باب الفيلا، في طريقهم لبداية جديدة… وباب اتقفل على الماضي، وباب تاني اتفتح على حياة أخيرًا بقت شبه الحلم.
تمت.…….
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.