بين حب وغياب نورهان العشري

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

ميعاد اجتماعه فاضل عليه سبعة وتلاتين دقيقة. كان عنده اجتماع مهم جدًا بخصوص عقد توزيع ونقل بضائع، قيمته بتقرب من تسعمية مليون جنيه. فتح موبايله، وسكته. مريم لاحظت. قالت له:
— ما تضيعش حاجة مهمة عشان خاطري يا أحمد. رفع عينيه لها.

وقال بصوت واطي:
— أنا ضيعت حاجة مهمة فعلًا مرة… ومش عايز أكرر نفس الغلطة. وشها شحب. أحمد ندم على الجملة في نفس اللحظة اللي خرجت فيها من بقه. لكن دي كانت مشكلته مع الماضي. ممكن تقضي 12 سنة كاملة بتحاول تدفن جرح، وبمجرد ما تسمع صوت واحد تعرفه، تلاقي كل حاجة رجعت تنزف من جديد.

مريم طوت الفوطة وقالت:
— لازم أرجع شغلي. وقبل ما أحمد يرد، جه زبون يطلب الحساب. انتهى الكلام. أحمد رجع قعد على ترابيزة صغيرة جنب الشباك المطل على الشارع. ما كانش قادر يمشي. طلع موبايله وبعت رسالة لنائب مدير شركته:
«ابدأوا الاجتماع من غيري».الرد جه بعد ثواني:

«حضرتك كويس يا فندم؟»
أحمد كتب: «أيوه».فضل باصص للكلمة شوية، وبعدها مسحها. وكتب بدلها:
«هكلمك بعدين».حط الموبايل على الترابيزة، وشاشته لتحت. ولمدة عشرين دقيقة، فضل يتابع مريم وهي بتشتغل. كان بيقول لنفسه إنه مش بيراقبها. لكنه في الحقيقة ما كانش قادر يبص في أي اتجاه تاني.

كانت فاكرة طلبات راجل كبير في السن من غير ما تسأله. ولما بنت صغيرة بدأت تعيط، راحت جابت لها مارشميلو زيادة على الكوباية بتاعتها. ولما واحد شغال في المقاولات حاول يسيب لها بقشيش كبير، رفضت ورجعت له نص الفلوس. قال لها الراجل:
— يا مريم، إنتِ محتاجاهم.

ردت وهي بتزق الفلوس ناحيته:
— وإنت كمان محتاجهم يا عم جابر. قال لها:
— بس إنتِ عندك مصاريف…
قاطعته:
— هات لابنك الجزمة الرياضية اللي نفسه فيها، وسيبك مني. الراجل بص لها شوية، وبعدها أخد الفلوس وهو بيتمتم بكلمتين دعاء من قلبه.

أحمد حس بوجع غريب جواه. دي كانت مريم اللي يعرفها. الطيبة عندها عمرها ما كانت استعراض قدام الناس. كانت بتعمل الخير حتى لو هي نفسها محتاجة. وده بالضبط اللي كان بيخلي طيبتها حقيقية. من 12 سنة، أحمد حبها لأنها كانت مؤمنة إن كل إنسان يستحق الاهتمام، حتى لو ما كانش شخص مهم في نظر المجتمع.

وما فهمش قيمة الصفة دي غير لما دخل عالم مليان ناس ناجحة، وكل واحد فيه بيحسب كل خطوة بمكسبها وخسارتها. الساعة كانت تلاتة وسبعة وأربعين دقيقة العصر، لما جرس الباب الخلفي للكافيه رن. دخل ولد شايل شنطة مدرسة على ضهره. كان عنده حوالي 11 سنة، أو يمكن 12.

شعره البني المبلول كان نازل على جبهته، وجزمته الرياضية مليانة طين، ورباط واحدة منهم كان سايب وبيجر على الأرض. حط الشنطة جنب كرسي عالي، وقال بصوت مسموع:
— يا ماما!أحمد حس إن نفسه اتسحب من صدره.

ماما!مريم لفت ناحيته.— أول حاجة، علّق الجاكيت بتاعك. تاني حاجة، وطي صوتك. تالت حاجة، أنا قلت لك إن الورقة في المطبخ. الولد رد بسرعة:
— وإنتِ قلتي كده إمبارح برضه!مريم رفعت حاجبها:
— وإمبارح نسيتها. الولد ابتسم بمكر وقال:
— هو كده بقى اسمه لوم الضحية!مريم بصت له بصدمة مصطنعة.

— إنت بتقول إيه يا حبيبي؟ضحك الولد. وكانت ضحكته مميزة. ضحكة فيها ميل بسيط ناحية اليمين. أحمد كان عارف الضحكة دي. شافها في المراية وهو صغير. وشافها في صور طفولته القديمة. عينيه اتحركت على ملامح الولد. شكل دقنه. حواجبه اللي واحدة منهم أعلى سنة بسيطة من التانية.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.2Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق