بين حب وغياب نورهان العشري

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

مريم رفعت عينيها فيه، ودمعة واحدة لمعت تحت النور الأصفر الباهت للمحل، لكنها نزلتها بغضب وهي بتقول: — ما يلزمكش في حاجة يا أحمد… الحكاية خلصت من שנים.

— خلصت؟!) صرخ بيها أحمد بحرقة وهو بيمسك طرف الكاونتر بإيد بتترعش، وجزء منه كان بيتقطع: — خلصت إزاي وأنا شايف وشي في المراية قدامي؟! الولد ده… الولد ده ابني يا مريم؟! انطقي! ابني؟!الناس اللي في الكافيه التفتوا لهم تاني، بس أحمد مابقاش فارق معاه لا كافيه ولا فلوس ولا حتى شركات التسعمية مليون.

مريم بصت حواليها بخوف، وبعدين مدت إيدها شدته من كم بليزر الغالي، ودخلت بيه الأوضة الضيقة اللي ورا الكاشير، وقفلت الباب الخشب وراهم بإحساس بالمرارة كفاية يشيل جبل. الأوضة كانت صغيرة، ريحتها رطوبة وشاي قديم، فيها ترابيزة خشب وكرسيين مقطوعين.مريم سحبت نفسها لآخر الأوضة، وحضنت دراعاتها ببعض كأنها بتحمي نفسها من طوفان جاي.

قالت بصوت مكسور، عيونها مليانة عتاب السنين: — وعايز تعرف ليه يا أحمد؟ عشان تحس بالذنب؟ ولا عشان تديني شيك برقم كبير تشتري بيه ضميرك زي ما بتشتري كل حاجة حواليك؟

!— أشتري ضميري؟! ده أنا لفيت عليكي الدنيا! أنا قعدت تلات سنين أدور عليكي في كل مستشفى وكل قسم شرطة وكل حتة كنا بنقعد فيها! سيبتيني في عز ما كنت محتاجلك… في الليلة اللي أبويا مات فيها، وطلعت الشقة ملقتكيش، وسايبة ورقة بتقوليلي "انساني واعتبرني ما كنتش"!

مريم ضحكت ضحكة وجع، ونزلت دموعها بصوت خفيف: — انساني… آه، كتبتُها وأنا بموت ألف موتة في اليوم. يوم ما أبوك مات، جه خالك الله يرحمه، ورمى في وشي كلام زي السم، قالي اني عالة عليك وهأثر على مستقبلك وعلى تحضيراتك للسفر.

وقالي بالحرف الواحد: "لو بتحبيه بجد، ابعدي عنه… خليه يبني نفسه من غير ما تبقي كعب داير في رجله".أحمد اتجمد مكانه، وحس إن الأرض بتميل بيه. كملت مريم وهي بتقرب منه خطوة، والوجع بينقط من صوتها: — وساعتها عرفت إني حامل في الشهر التاني.تخيلت لو فضلت معاك، هتبقى شايل همي وهم الولد، وهتتمنع من أي فرصة كويسة عشان تصرف علينا.

فضلت أمشي وأنا مستخفية، وأولد في مستشفى حكومي بعيدة من غير ما تدرى، وأربي ابنك من عرق جبيني ومن شغل تلات ورديات… عمر ما حد ضحك عليّ، وعمر ما مديت إيدي لحد!

أحمد نزل على ركبتيه قدامها، وخبى وشه بين إيديه، وشهقاته اللي ما حدش شافها من سنين طلعت أخيراً من صوته. حط إيديه على كفها البارد وقال بصوت مخنوق: — سامحيني يا مريم… والله العظيم ما كنت أعرف… والله ما كنت أعرف حاجة عن كلام خالتي وخالي… سامحيني!

مريم نزلت لمستواه، ومسحت بصباعها على شعر الأبيض اللي بدأ يطلع في دقنه، وقالت بصوت دافي زي زمان: — الفواتير ادفعت يا أحمد… والسنين عدت. مشكلتنا إننا اتقابلنا في الوقت الغلط. سليم فتح باب الأوضة فجأة وقال ببراءة وهو بيبص لأحمد اللي قاعد على الأرض: — ماما… هو الراجل ده بيعيط ليه؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.2Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة