أحمد رفع عينيه للولد، وابتسم بدموع، ووقف وهو بيمد إيده لسليم وبيقول بصوت كله حب وحياة جديدة راجعة تبتسم له: — تعال يا سليم… تعال يا حبيبي، أقولك أنا بعيط ليه.……….سليم بص لأحمد باستغراب، ونقل عينيه بينه وبين أمه اللي كانت مسحت دموعها بسرعة وحاولت ترسم ابتسامة هادية على وشها.
قرب الولد خطوتين بحذر، وقال بصوت طفولي ذكي: — هو إنت صديق ماما القديم؟ اللي كانت دايماً بتقول إنه…قاطعته مريم بسرعة وهي بتقرب وبتحط إيدها على كتفه بحنان: — سليم… روح أكمل كتابك بره يا حبيبي، ثواني وخرجالك. بس أحمد مد إيده بهدوء، ومسك كف سليم الصغير.
أول ما لمس إيد الولد، حس بكهربا خفيفة سرت في جسمه. بص في عيون سليم وقال بصوت دافي مليان مشاعر متلخبطة: — كان بتقول إيه يا سليم؟ قول… أنا أحب أسمع. سليم بص لأحمد بجرأة وطفولة كاشفة: — كانت بتقول إنك كنت بتعرف تعمل أحسن كوباية شاي في السويس، وإنك طموح زيادة عن اللزوم لدرجة إنك ممكن تنسى تشربها!
أحمد ضحك ضحكة طالعة من قلبه لأول مرة من سنين، ضحكة خلطت بدموعه. بص لمريم اللي وشها احمر بخجل قديمة، وقال: — لسه فاكرة يا مريم؟ردت بصوت واطي وهي بتعدل شعره: — الحاجات اللي بتوجع… الواحد بينساها بصعوبة، بس الحاجات اللي بتضحك بتفضل لازقة في الذاكرة.
أحمد وقف، وبص لـ سليم وقال له بثقة وجمود راح، وحل مكانه الأب اللي تايه وعايز يعوض كل ثانية: — اسمع يا سليم… من النهاردة، مفيش شغل هنا تاني لماما. ومفيش هم فواتير ولا سقف بينقط مياه. أنا أبوك يا سليم… أنا اللي مفروض كنت أشيلكم من 12 سنة، ومن النهاردة.
. الحكاية هتبدأ بجد. سليم فتح عيونه بذهول وفرحة عفوية، وبص لأمه كأنه بيستأذنها. مريم نزلت دمعة تانية على خدها، بس المرة دي كانت دمعة راحة وقلب ارتاح بعد عذاب طويل. هزت راسها بهدوء، وقالت لصوت جوه قلبها: — اقعد يا أحمد… واشرب قهوتك اللي وقعت دي، بس هالمرة..
اشربها واحنا مع بعض. بره الكافيه، المطر كان لسه بينزل بغزارة على شوارع طنطا، بس جوه الأوضة الصغيرة الضيقة، البرد كله طار، وبدأ الشتاء يدفى بعيلة رجعت تكتمل بعد طوفان سنين طويلة.……..بعد مرور سنة كاملة على ذلك اليوم الذي أعاد ترتيب كل شي في حياتهم، كانت الشمس تشرق بنورها الهادئ على شاطئ الإسكندرية، لتغمر الشرفة الواسعة للفيلا المطلة على البحر بضوء ذهبي دافئ.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.