حين وُلدت من جديد نورهان العشري

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

دخلت الأوضة وسألت الممرضين: — "حد شاف مريم؟ هي مشيت ولا إيه؟"ممرض تاني رد باستغراب: — "لا يا داليا مريم خرجت من نص ساعة كده لما جالها تليفون... شكلها كانت منزعجة جداً، سابت التليفون بتاع الشغل هنا على المكتب."داليا كشرت بقلق، وفتحت درج المكتب لقت تليفون الشغل محطوط وجنبه الحلق الفضة الصغير اللي مريم كانت لبشاه الصبح!

قلب داليا انقبض. مريم عمرها ما بتسيب حلقها ولا بتخرج من غيره، دي كانت بتعتبره حاجة تخصها وحدها. في البيت، التوتر كان بقى بيقطع السكينة.

حسام ماسك تليفونه، بيحاول يرن على مريم للمرة العشرين، وكل مرة التليفون يدي "غير قابل للوصول" أو يرن من غير رد لحد ما يفصل. — "يا ربي! تليفونها في المستشفى!" حسام قالها بصوت عالي وهو بيمسح شعره بعصبية خلت نوال, الأم, تخرج من أوضتها مستندة على عصايتها بملامح غاضبة: — "فيه إيه؟ صوتكم عالي ليه من غير سبب؟ وفين الأكل؟ أنا جعانة ومحدش حطلي اللبن!"سلمى انهارت وصرخت في وش جدتها وفي وش أخوها: — "ماما مشيت يا ستو!

ماما سابت البيت سابته لما لقت نفسها منسيه ومش موجوده وسطنانوال وقفت مكانها، العصرة اللي في قلبها زادت. بصت لحسام وقالت بصوت مهتز: — "أنا... أنا من امبارح حسيت إن فيه حاجة ناقصة في البيت ده... بس كنت بكمل كالعادة... حسام، اتحرك دور عليها! لو مريم جرا لها حاجة هنموت كلنا من غيرها في البيت ده!"حسام وآدم نزلوا جري على السلم، ركبوا العربية بسرعة مجنونة.

حسام كان سايق وعينه على الشارع المظلم. المطر كان بدأ ينزل نقط خفيفة تزيد الكآبة. تليفونه ما بيبطلش رنين من سلمى اللي قاعدة في البيت بتعيط.— "يا بابا، روح المستشفى الأول، يمكن راحت هناك!" قال آدم بصوت كله رعب ودموع محبوسة لأول مرة يشوف أبوه مرعوب كده. حسام داس بنزين أكتر، وصل المستشفى في دقايق معدودة.

نزلوا جري على البوابات، دخلوا قسم الإفاقة زي المجانين. قابلوا داليا في الطرقة، وشها أصفر والدموع في عينها. حسام جري علي داليا بصوت بيترعش: — "مريم! داليا، مريم فين؟ مراتى هنا؟"داليا بصت له بجمود وقسوة وقالت: — "مراتك سابت الشغل من بدري يا مهندس حسام.

.. وسابت تليفونها وحلقها هنا... وراحت لمكان الي بتلاقي نفسها فيه— "مكان إيه؟!" زعق حسام وعروقه بارزة. داليا رفعت كيس بلاستيك صغير فيه حاجات مريم الشخصية، وقالت ببطء يوجع: — "مريم كل سنة في يوم عيد ميلادها، كانت بتعدي على المكان اللي اتولدت فيه.

.. بيت أبوها القديم المهدوم في منطقة بولاق القديمة... المكان اللي كانت بتكتب فيه وهي صغيرة أحلامها، قبل ما تيجوا كلكم وتدفنوها وهي عايشة."آدم وحسام وقفوا مذهولين. آدم بص لأبوه وقال بصدمة: — "ماما... ماما راحت لوحدها في الظلمة دي؟

"حسام ما استناش، دار وخرج يجري للعربية، وقلبه بيدق بعنف مرعب. لأول مرة في حياته، حس إنه ممكن يخسر الإنسانة الوحيدة اللي كانت بتديم نبض البيت ده. العربية كانت طائرة في الشارع، لحد ما وصلوا المنطقة القديمة. شوارع ضيقة، بيوت قديمة متلاصقة، ومطر خفيف. قدام البيت القديم المهجور اللي جدرانه آيلة للسقوط، كانت عربية واقفة على جنب.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق