جبل اتشال على كتاف الرجال وهو غايب عن الدنيا، واتحط في أوضته، والحكيم (الدكتور) دخل وقفل الباب، ومنع أي حد يدخل.قمر كانت واقفة قدام باب الأوضة، هدومها متغبرة بالتراب ودم جبل لسه معلم على إيديها. هنادي كانت قاعدة على الأرض بتلطم وتنوح بصوت عالي:
'يا خرابي يا جبل.. يا خيبتك يا هنادي! ضاع السند وضاع البيت بسبب الفقرية اللي دخلت دارنا!
'
قمر بصت لها ببرود وقالت بكلمة واحدة خرستها:
'انجري قومي واصلي (فوراً).. جبل لسه حي، والنايحة دي للطلوع الروح، وجبل روحه لسه في الدنيا!'
الحاجة راضية كانت قاعدة على كنبة خشب، ماسكة سبحتها وإيدها بتترعش، بصت لقمر وقالت بنبرة فيها شك وقسوة:
'لو جرى لولدي حاجة يا قمر.. مش سويلم اللي هي. ك، أنا اللي بيدي دي وأشرب من دمك، أنتي اللي جرتيه للنــ,,ـــــار!'
قمر قربت من الحاجة راضية، ونزلت لمستواها وقالت بصوت واثق:
'أنا اللي فديته بقلبي يا حاجة، وهو اللي فداني بعمره.. النــ,,ـــــار اللي ولعت دي كانت فخ لينا إحنا الاتنين، ولو جبل قام -وهيقوم بإذن الله- هيعرف مين اللي ولع النــ,,ـــــار دي بجد.. ومين اللي خان الدار من جواها!'
هنادي اتنفضت من مكانها ووشها اصفر:
'قصدك إيه يا بت المنشاوية؟ أنتي بتلمحي لإيه؟
'
قمر بصلتها بنظرة حادة زي الموس:
'اللي في بطنه لحمة بتنقح عليه يا هنادي.. والي يفتح بوابات المخازن لرجالة سويلم في نص الليل، أكيد مش أنا اللي كنت نايمة في أوضته!'
الكل سكت.. والحاجة راضية بصت لهنادي بنظرة غريبة، وكإن الشك بدأ ينهش في قلبها. وفجأة، الباب اتفتح وخرج الحكيم وهو بيمسح عرق جبينه:
'الحمد لله.. الرصاصة كانت قريبة من القلب بس ملمستوش، جبل بيه شديد، وربنا كتب له عمر جديد.
. بس هو محتاج راحة تامة، ومحدش يدخل له واصل غير اللي هيراعية.'
قمر خطت خطوة لقدام، وهنادي زقتها:
'أنا مراته الكبيرة، أنا اللي هدخل!'
قمر وقفت زي السد وقالت:
'المرة دي لا يا هنادي.. جبل انصاب وهو بيحميني أنا، يبقى أنا اللي هداوي جرحه.. والي عندها كلمة تانية، تستنى لما 'السبع' يفتح عينيه ويقولها بنفسه!
'
دخلت قمر الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح من جوه، وسابت هنادي برا بتفرك في إيدها من الغل. قربت قمر من السرير، شافت جبل وشه شاحب، وص. دره متغطي بالشاش. قعدت جنبه، ومسكت إيده اللي كانت دايماً بتمسكها بقسوة، وبستها وهي بتعيط:
'قوم يا جبل.. قوم عشان توريهم إن قمر مش وش نحس.. قوم عشان أنا اكتشفت إني هربت من ظلــ,,ـــــمعمي، عشان أقع في عــ,,ـــــشقك أنت.'
فجأة، حست بصوابع جبل بتتحرك في إيدها، وسمعت صوته المبحوح وهو لسه مغمض عينيه:
'قولتي.. عــ,,ـــــشق؟ ولا ده.. مفعول.. البنج؟'
قمر شهقت وحطت إيدها على بوقها من الفرحة:
'جبل! أنت سمعتني؟
'
فتح عينيه ببطء وصعوبة، وبص لها بنظرة لسه فيها هيبتها رغم التعب، وقال بابتسامة باهتة:
'سمعت كل كلمة.. وسمعتك وأنتي بتوقفي لـ 'هنادي' و 'أمي'.. طلعتي وحشة (قوية) يا بت المنشاوية.. بس لسه حسابنا مخلصش، أنتي لسه مديونة ليا بحياتك.'
قمر ضحكت وسط دموعها:
'أنا كلي ملكك يا جبل.. بس قوم بالسلامة، عشان في حسابات كتير في البيت ده لازم تتصفي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.