فتح كريم الصندوق الحديدي قدام المسؤول، وطلع الفلاشة والأوراق. وبدأوا يتكلموا في تفاصيل تقنية وقانونية غريبة عليا، أسماء شركات، شخصيات دولية، وتحويلات مالية ضخمة بالمليارات. كنت قاعدة بتفرج وبسمع، وكل ثانية بتعدي كان حجم كريم بيكبر في عيني أكتر واكتر. الراجل ده اتحمل الإهانة، اتحمل نظرات التعالي من كل الناس، اتحمل إنه يعيش في أوضة صغيرة تحت السلم ويخدم السكان ويشيل طلباتهم، كل ده عشان هدف أكبر… عشان يحمي بلده، ويحمي نفسه، ويؤدي مهمة الوطنية والأمنية بمنتهى الصمت والتواضع.
بعد حوالي ساعتين من الكلام والتحقيقات والتوقيعات، المسؤول الكبير وقف، ومسك إيد كريم وهزه بقوة: * “برافو يا باشمهندس كريم. الملف كده اكتمل 100%. الشبكة كلها بتم القبض عليها في ثلاث دول في نفس التوقيت دلوقتي بناءً على الشفرة اللي فعلتها. أنت أديت واجبك على أكمل وجه، وفترة الاختفاء والأمن الحيوية انتهت رسمياً من الدقيقة دي.
” ابتسم كريم بنفس الابتسامة الهادية، وقال: * “شكراً يا فندم. أنا كده أقدر أرجع لحياتي الطبيعية؟” * “أنت من بكرة تقدر تمارس شغلك كرئيس تنفيذي لشركة الأمن الرقمي، وباسمك الحقيقي وورقك الرسمي كله رجع يتفعل.” خرجنا من المبنى، والشمس كانت بدأت تشرق وتملى السماء بنور برتقالي دافئ. كان يوم جديد تماماً بيفتح عيونه على حياتنا. وقفنا على الرصيف قدام المبنى. الشارع بدأ يتحرك، وصوت العربيات يرجع.
بصلي كريم بابتسامة حقيقية، فيها راحة أول مرة أشوفها في عينيه طوال فترة معرفتي بيه. * “أسف يا ندى… أسف إن ليلة فرحنا كانت بالرعب ده. بس أوعدك، من النهاردة مش هيكون في استخباء، ولا كذب، ولا حوائط قديمة.” مسكت إيده بحب وفخر مش قادر أوصفه: * “أنا فخورة بيك يا كريم… فخورة بيك أكتر من أي وقت فات. أنت ثابت لي إن الرجولة مش بالمظاهر ولا بالمسميات، الرجولة بمواقف الصبر والحماية.
”كريم حط إيده في جيبه، وطلع موبايله الجديد، وبصلي بذكاء: * “طب إيه رأيك… نكلم بابا وماما دلوقتي ونقولهم إننا عزمنهم على الغدا في مكان؟” ضحكت من قلبي، ضحكة طالعة من جوة بعد ليلة طويلة من الخوف: * “تفتكر هيوافقوا ييجوا يتغدوا مع ‘البواب’؟” كريم غمض عينه وضحك بصوت عالي: * “لما يشوفوا المطعم والمكان والأسطول اللي هيعدي ياخدهم… هيعرفوا إن البواب ده كان شايل الدنيا كلها على كتفه وهو ساكت!
” ومسكنا إيد بعض، ومشينا في طريقنا للبيت… بداية جديدة لحياة كاملة، مبنية على الحقيقة، والفخر، والحب اللي صمد قدام أكبر الاختبارات. وقفت أنا وكريم في عرض الشارع والشمس بتفرش نورها الدافئ على المبنى، وكان أول مرة من شهور أحس إنه بيتفس بالتنفس الطبيعي من غير ما يبص وراه أو يتحسب لكل خطوة. لكن الهدوء ده ما دامش غير لحظات… كريم فتح الموبايل الجديد، وجاله إشعار بعشرات المكالمات المفقودة والرسائل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.