اتجوزت البواب اللي أهلي كانوا بيستهزقوا بيه عشان معهوش شهادة جامعة… وفي الليلة اللي بعد الفرح، فتح صندوق حديد قديم وقال: “قبل ما نبدأ حياتنا سوا… لازم تعرفي أنا مين بجد.” أول مرة عرفت فيها حبيبي كريم على أهلي، حكموا عليه من أول دقيقة… قبل حتى ما يقعدوا يتكلموا معاه. أول ما عرفوا إنه شغال حارس وعامل صيانة لعمارة في مدينة نصر، وإنه ماكملش تعليمه الجامعي، خلاص… في نظرهم بقى شخص ماينفعنيش.
بابا وماما كانوا كل شوية يفكروني إني خريجة جامعة عين شمس، وعندي شغل كويس في شركة كبيرة في القاهرة الجديدة، وإن قدامي فرص أحسن بكتير. كانوا يقولولي: “إنتِ تعبتِ في تعليمك عشان في الآخر تتجوزي بواب؟” الغريب إن كريم عمره ما دخل معاهم في خناقة. كان دايمًا يبتسم بهدوء، يبص في موبايله، ويقول: “معلش… في مكالمة لازم أرد عليها.” ويطلع يقف في البلكونة أو ينزل تحت العمارة، ويسيبهم ياخدوا راحتهم في محاولة يقنعوني أسيبه.
هو كان عارف كويس جدًا هما بيقولوا إيه. بس كان بيحبني لدرجة إنه عمره ما حب يزود التوتر بيني وبين أهلي. وده كان من أكتر الحاجات اللي خلتني أحبه. ولما طلب إيدي للجواز… أهلي حاولوا بكل الطرق يخلوني أغير رأيي. بابا بصلي وقال بغضب: “إنتِ بجد هتضيعي مستقبلك مع واحد عمره كله بين الشيل والحط والمشي ورا طلبات السكان؟” بصيت له بثقة، وقلت: “أيوه… وهتجوزه.” وفعلًا اتجوزنا.
عملنا فرح بسيط في قاعة صغيرة على كورنيش النيل في المعادي، حضره أقرب أهلنا وأصحابنا. كان بالظبط الفرح اللي كنا بنحلم بيه. لكن حتى في يوم فرحنا… كنت شايفة نظرات عدم الرضا في عيون أهلي. كانوا بيبتسموا قدام الناس، ويباركولنا، لكن أول ما حد يبص الناحية التانية، كنت بحس إنهم مقتنعين إني ارتكبت أكبر غلطة في حياتي. بعد ما رجعنا شقتنا أول ليلة بعد الفرح… كريم استأذن بهدوء، وقال: “ثانية واحدة… هرجع حالًا.
” دخل أوضة التخزين. وبعد كام دقيقة… #الكاتب_رومانى_مكرم خرج شايل صندوق حديد قديم، عليه آثار صدأ، وكأنه متخزن من سنين طويلة. حطه فوق سفرة المطبخ، وحط إيده على الغطا. وفجأة… ملامحه كلها اتغيرت. الابتسامة الهادية اللي كانت على وشه طول اليوم اختفت. بصلي مباشرة في عيني، وقال بصوت هادي لكنه مليان جدية: “قبل ما نبدأ حياتنا سوا… لازم تعرفي أنا مين بجد.
” رجع الصندوق الحديدي ومحطوط بيننا على السفرة، وهدوء الشقة كان مرعب. الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت الساعة الحائطية وصوت نفسي المتسارع. كريم ما كانش يبدو خالص الشخص اللي عرفته وسكنت جنب هدوءه وابتسامته طوال شهور الخطوبة. نظرة عينيه كانت حادة، وفيها ثقل يخلي أي حد يقف مكانه. حط إيده على القفل الصدي، ومد إيده التانية في جيبه وطلع مفتاح صغير جدًا، شكله يختلف تمامًا عن الميدالية الكبيرة اللي كان بيشيل فيها مفاتيح العمارة ومدخل الأسانسير والشقق.
حط المفتاح في القفل، وسمعت صوت تكّة مكتومة. فتح الغطا بالراحة، وطلعت من الصندوق ريحة ورق قديم وخشب مكتوم. أنا كنت واقفة مش قادرة أتحرك، عيني متبتة على الصندوق. كريم مد إيده وجاب أول حاجة من على الوش… كان ملف بلاستيك أسود سميك، فتح الملف وطلع منه جوازات سفر. مش جواز واحد، ولا اتنين… كانوا أربعة جوازات سفر بألوان مختلفة، وعليهم أختام لدول أوروبية وآسيوية كثيرة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.