اتجوزت البواب بقلم روماني مكرم

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

مسكت جواز منهم بإيد بتترعش، فتحته ولقيت صورته بالظبط، بس الاسم مكتوب باللغة الإنجليزية: “كريم يوسف”. الاسم كان مختلف عن الاسم الثلاثي اللي كتبناه في قبالة الجواز وفي قبالة المأذون قبل ساعات. بصيت له وقولت بصوت مبحوح: * كريم… إيه ده؟ إيه الجوازات دي؟ وليه أسمائك مختلفة؟ أنت مين؟ كريم قعد على الكرسي قصادي، وشاور لي أقعد.

أخد نفس طويل، وحط إيده على الجوازات وقال بصوت هادي: * اللي أهلك كانوا بيشوفوه شغّال في الشارع وشايل أكياس الزبالة وبيغير لمبات السلم، هو في الحقيقة مهندس شبكات وأمن معلومات… أو بمعنى أصح، خبير في حماية النظم الرقمية وإدارة الأزمات في شركات عالمية. الجوازات دي مش تزوير يا ندى، دي جوازات رسمية كنت بتنقل بيها بين دول مختلفة عشان طبيعة حساسية شغلي مع هيئات ومؤسسات أمنية وإلكترونية كبيرة.

عقلي ما كانش قادر يستوعب. افتكرت كلام بابا لما كان بيقولي: “ده ما كملش تعليمه، ده آخره يتكلم في مقاسات اللمبات وسعر السباكة”. افتكرت كل مرة كريم كان بيسيب القعدة ويمشي ويقول “معلش في مكالمة لازم أرد عليها”.كمل كريم كلامه وهو بيطلع من الصندوق دفتر مذكرات قديم وأوراق رسمية مختومة بختم النسر وأختام شركات أجنبية: * من خمس سنين، كنت شغال في شركة استشارات أمنية كبيرة في دبي.

كنا بنشرف على بنية تحتية لرقميات بنوك وشركات عملاقة. في يوم، اكتشفت ثغرة وتسريب بيانات مهول كان بيتم من جوة الشركة نفسها لحساب شبكة دولية بتستغل البيانات دي في ابتزاز واختراق مؤسسات. لما جيت أبلغ، اكتشفت إن الناس اللي فوقيا في إدارة الشركة هما أصل شبكة الفساد دي. وقف كريم وجاب كوباية مية وشرب، وبعدين رجع بصلي وقال: * حاولوا يشتروني بفلوس كثيرة جدًا عشان أسكت… ولما رفضت، الموضوع تحول لتهديد مباشر.

اختفيت، وسافرت من دولة لدولة، وفي الآخر قررت أرجع مصر. بس كان لازم أختفي في مكان محدش يتوقعه إطلاقًا. محدش يدور على مهندس أمن معلومات دولي في هيئة حارس عمارة في مدينة نصر. المكان ده كان المخبأ المثالي… الستار اللي يخليني أعيش في أمان وأختفي عن أعين أي حد بيدور عليا، وفي نفس الوقت أتابع قضاياي وشغلي الخفي في الهدوء من ورا شاشة الموبايل اللي أهلك كانوا فاكرين إني بلهو بيه لما بقوم من قدامهم.

كنت بقعد وبقوم من الصناق، حاسة إن الشقة بتدور بيا. قولت له: * طب والفلوس؟ والشهادة اللي بابا كان دايمًا يعيرك بيها؟ وليه رضيت بكل الإهانات دي؟ ليه سبتهم يمسحوا بيك الأرض ويقولوا عليك كلام يوجع وأنت ساكت وبتبرر؟ كريم ابتسم نفس الابتسامة الهادية، بس المرة دي كان فيها وجع كبير: * الشهادة الجامعة والمظهر والياقة البيضاء مش هما اللي بيعملوا البني آدم يا ندى.

أنا اتعلمت في الحياة إنك لما تكون شايل سر يوزن جبال، التكبر والمنظرة قدام الناس بيبقى مالوش أي قيمة. أهلك كانوا بيقيّموني باللبس والمسمى الوظيفي، وأنا ما كانش يهمني أثبت لهم إني غني أو متعلم… أنا كان يهمني أعيش في أمان، والأهم من ده كله… إني لما لقيتك، لقيت إنسانة حبتني لذاتي. حبتني وأنا حارس عمارة بسيط، ما بصلتليش بنظرة تعالي ولا اهتمت بشكليات المجتمع.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق