” ومكنتش تعرف وقتها إنها بعد ست أسابيع بس هتكون قاعدة طول الليل جنب سريره، بتسهر عليه وهو بيحارب حرارة شديدة، وهي أصلًا معاها طفل صغير. أول يوم دخلت فيه مكتب يوسف، كان قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، قدامه لابتوب وملفات كتير. كرسيه المتحرك كان في نص المكتب، واتنين شاشات قدامه. يوسف رفع عينه وقال ببرود: “إنتي الجديدة؟” ردت: “أيوه. ريتان.” “أنا عارف.” ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: “كويس… وفرت على حضرتك وقت السؤال.
” يوسف بص لها ثواني، وبعدين رجع يبص للشاشة. ريتان خرجت… أو ده اللي كانت ناوية تعمله. لكن بعد شوية، رجعت بصت حوالين المكتب وقالت: “هو حضرتك قريت كل الكتب دي؟” يوسف رفع عينه تاني: “إيه؟” “الكتب.” “أيوه.” “كلها؟” “أيوه.” “طب كويس.” سكتت لحظة وبعدين قالت: “أنا طلبت من الحاجة نوال حد ينضف… مش حد يقرأ.
” يوسف فضل باصص لها. قالت بسرعة: “أنا بعرف أنضف وأسأل في نفس الوقت… متعددة المهام.” يوسف قال ببرود: “أنا بحب الهدوء.” هزت راسها وقالت: “تمام.” خرجت. لكن بعدها بأسبوع حصلت أول مشكلة… كانت ريتان بتنضف المكتب، ولما المكنسة خبطت في ترابيزة جانبية، مجموعة ملفات وقعت على الأرض. يوسف قال بصوت حاد: “استني!” ريتان وقفت: “نعم؟
” “إنتي فاهمة إنتِ عملتي إيه؟” بصت للورق وقالت: “وقعت شوية ورق.” يوسف رد: “دي ملفات مترتبة بالشكل ده بقالها شهور.” ريتان قالت: “طيب قولّي أرتبهم إزاي.” يوسف ضيق عينيه: “إنتي مش فاهمة.” ريتان سكتت لحظة، وبعدها قالت: “غالبًا لأ… عشان كده بقول لحضرتك فهمني.” المكتب كله سكت… أي حد تاني كان قالها وهيجري يعتذر.
لكن ريتان كانت واقفة مكانها، وإيديها بتترعش من الخوف، ومع ذلك حاولت متبينش. نزلت على الأرض ولمّت الورق، وقالت: “أنا غلطت، وأنا آسفة. قولّي الترتيب الصح وأنا هظبطه.” يوسف فضل ساكت…لأول مرة من سنين، حد بيعتذر له… من غير ما يكون مرعوب منه. قال أخيرًا: “الملف الرمادي الأول.” “حاضر.” “الأزرق تحته.” ريتان بدأت ترتب الملفات واحدة واحدة، ولما خلصت، قامت ودفعت عربية التنظيف ناحية الباب.
يوسف قال: “ريتان.” لفت له… كانت مستنية توبيخ جديد. لكنه قال بهدوء: “خلاص… روحي.” خرجت. وبمجرد ما قفلت الباب، سمعت صوت الحاجة نوال وهي بتهمس لها في الممر: “إنتِ بتحاولي تطردي نفسك من الشغل؟” ريتان ردت بمنتهى الهدوء: “هو كان بيتكلم بطريقة مستفزة.” نوال شهقت: “ده الأستاذ يوسف!” ريتان قالت: “ما هو برضه بني آدم.
” وسابت نوال ومشيت… يوسف كان لسه جوه المكتب… وسمع كل كلمة…فضل ساكت…لكن لأول مرة من عشرين سنة، لقى نفسه مهتم يعرف…هي ريتان دي ليه مش بتخاف منه؟ ومكنش يعرف وقتها إن الست دي هتكون أول شخص يدخل حياته من غير خوف… وأول شخص يفضل جنبه وهو مريض… وأول شخص، من غير ما يقصد، يقدر يرجّع الابتسامة لوش يوسف الرفاعي بعد عشرين سنة كاملة ….
يتبـع #حكايـات_منـي_السـيد الفصل الثاني النور الخافت اللي اتسلل من بين الستاير التقيلة بتاعة الأوضة بدأ يلمس وش يوسف، والحرارة اللي كانت حارقة جسمه طول الليل بدأت تهدى شوية بشوية. يوسف حس بحركة خفيفة، أنفاس منتظمة بتدغدغ كف إيده، ولما بص لتحت، كانت ريتان لسه مسندة راسها على طرف السرير، صوابعها الصغيرة متبتة في كف إيده وكأنها خايفة يسيبها أو يضيع في غيبوبة السخونية تاني.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.