التقاطها للثغرات أكد له أن نظراتها الأولى لم تكن مجرد استعراض قوة، بل انعكاس لعقل يزن الذهب.التقط سماعة الهاتف وظغط على زر الاتصال المباشر بمكتبها، ودون مقدمات عقيمة، قال بصوته الرخيم:ـ التعديلات اللي بعتيها قاسية ومفيهاش رحمة يا مدام بشرى.. بس الحقيقة؟ عادلة جداً وتضمن إن الشغل يكمّل على أرض صلبة. أنا وافقت عليها، والنسخ جاهزة للإمضاء.
على الجانب الآخر، كانت بشرى تتلقى مكالمته بثبات، شعرت بانتصار صغير بداخلها، لكن نبرتها ظلت مغلفة بالبرود المهني:ـ ده العشم برضه يا باشمهندس. إحنا بندور على نجاح مستمر، والوضوح من البداية هو اللي بيعيّش المشروعات. المعاد يناسبك امتى؟ـ بكرة الساعة اتناشر في موقع المشروع نفسه. . أحب دايماً نبتدي الشغل والتراب في رجلينا والورق في إيدينا.في اليوم التالي، كان شمس الظهيرة قوية، وموقع المشروع عبارة عن خلية نحل من المهندسين والعمال.
وصلت بشرى بسيارتها، وترجلت مرتدية بدلة عملية مريحة تخلو من البهرجة، لكنها تحمل ذات الهيبة. كان جبريل في انتظارها، يقف برفقة كبير مهندسيه، مرتدياً قميصاً أبيض شمر أكمامه، وخوذة الحماية البيضاء فوق رأسه.حين رأى سيارتها، اعتذر من مهندسيه وتقدم نحوها بخطواته الواسعة. ـ أهلاً يا مدام بشرى، خطوة عزيزة. الموقع نور.ـ بنورك يا باشمهندس. جاهزة للمعاينة ومراجعة البنود على أرض الواقع قبل ما نمضي.
طوال ساعتين كاملتين، لم تكن بشرى مجرد صاحبة رأس مال تتفرج من بعيد. كانت تتحرك بين الخرسانات، تراجع الرسومات الهندسية، وتسأل عن جودة المواد ومواعيد التسليم بدقة أبهرت مهندسي جبريل أنفسهم. كان جبريل يراقبها بصمت؛ يتدخل فقط ليجيب على استفساراتها الصعبة أو ليوجه العمال.في لحظة ما، تعثرت قدم بشرى بطرف سيخ حديدي بارز وكادت تفقد توازنها، وبسرعة خاطفة وبحافز رجولي تلقائي، امتدت يد جبريل لتمسك بذراعها بقوة حامية ومنعها من السقوط.
تلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة؛ كانت يده قوية وثابتة، ونظرة عينيه تحمل خوفاً حقيقياً عليها لم تعهده من قبل في عيون رجال العمل. استعادت بشرى توازنها سريعاً، وانسحبت برفق وهي تعدل هندامها، وقالت بنبرة حاولت جاهدة أن تظل هادئة:ـ شكراً لحضرتك يا باشمهندس.. مخدتش بالي.تراجع جبريل خطوة للوراء احتراماً، ووضع يده في جيبه قائلاً بابتسامة دافئة وهادئة:ـ الشغل في المواقع محتاج عين في وسط الراس، وأنا يهمني سلامة شريكي قبل سلامة الشغل نفسه.
أرتاحى شوية في المكتب المؤقت ونمضي العقود.داخل المكتب المتنقل المكيف، وبعد أن تم توقيع العقود وتبادل النسخ، قدم لها جبريل كوباً من القهوة السادة بنفسه. جلس أمامه ونظر إليها بجدية مشوبة بالفضول:ـ أنا بقالي سنين في السوق ده يا بشرى.. اسمعي مني، انتي خسارة للقعاد ورا المكاتب بس. عقليتك دي لو اتسابت في السوق هتاكل نص الشركات المنافسة.
ابتسمت بشرى ابتسامة صغيرة، لكنها كانت تحمل مرارة قديمة لم يستطع جبريل تفسيرها. نظرت لكوب القهوة وقالت:ـ ساعات الوجع بيعلم يا باشمهندس.. وبيخلي الواحد يشوف الحاجات اللي كان عميان عنها. أنا كنت قافلة على نفسي في مكان مش مكاني، وجه الوقت اللي أرجع فيه لنفسي ولشغلي.التقط جبريل الكلمة، وشعر بغريزته أن وراء هذه القوة حكاية خذلان كبيرة، لكنه ذكي بما يكفي ليعلم أن المرأة مثل بشرى لا تقبل الشفقة ولا تحب أن تظهر ضعيفة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.