بشري بقلم اماني السيد

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

مرت الأيام والأسابيع، وأثبتت بشرى أن الوجع لا يكسر إلا القلوب الضعيفة. ومع أول خطوة خطتها داخل الشركة، كانت قد خلعت ثوب الحزن والانكسار، وارتدت قناع الجدية الذي يليق بابنة محمود الشناوي. عادت إلى مكتبها القديم، ونفضت عنه غبار عام كامل من الغياب والتنازلات. في البداية، كانت نظرات الموظفين والعملاء تحمل بعض الفضول والتساؤلات، لكن صرامتها وهيبتها في العمل أجبرت الجميع على غلق أي سيرة شخصية، والالتزام بحدود الشغل .

لم تكن بشرى تلك المديرة القاسية الذي تبث الرعب، بل نجحت في تطبيق معادلة صعبة؛ كانت تتعامل بصرامة شديدة في المواعيد والحساب والجودة، لكنها في نفس الوقت تملك ليناً وتفهماً يجعلا كل من يعمل معها يحترمها ويحبها. كانت تسمع لمشاكل الموظفين، وتقدر ظروفهم، وتعطي كل ذي حق حقه، لكن في لحظة الجد .. لا يوجد تهاون. هذه الشخصية الجديدة جذبت إليها الأنظار في السوق سريعاً.

بدأت بشرى تحضر الاجتماعات، وتناقش العقود، وتبرم الصفقات بنفسها. وبفضل ذكائها الاجتماعي ولباقتها، استطاعت بناء شبكة علاقات قوية وجديدة تماماً مع كبار رجال الأعمال والمستثمرين، علاقات مبنية على الاحترام المتبادل والكفاءة، بعيداً عن اسم والدها أو شراكة عيلتها القديمة. كل نجاح جديد كانت تحققه، كان يمثل خطوة جديدة في رحلة استعادة بناء نفسها . بدأت لمعة التحدي تعود لعينيها، وضحكتها الصافية تعود لوجهها في وسط أهلها. بشرى لم تصبح بشرى زوجه رشاد المعطاءه بلا مقابل ؛

اصبحت امرأة قوية، ناجحة، ومستقلة، عرفت قيمتها الحقيقية وفي غمرة هذا النجاح المتصاعد، كان هناك اسم يتردد في السوق كالإعصار؛ “جبريل الجيار”. شاب في أوائل الثلاثينات من عمره، لكن من يراه في جديته وهيبته يعطيه خِبرة رجل خمسيني. لم يكن مجرد وريث، بل كان الذراع اليمنى لوالده، والرجل المسؤول بالكامل عن إدارة أملاك أبيه وتجارتهم الضخمة التي تتوزع بين العقارات والتوكيلات التجارية الكبرى.

عُرف عنه عقله الحاد الذي لا يرحم في لغة الأرقام، وحذره الشديد في اختيار من يتعامل معهم. دخل جبريل الجيار إلى مقر شركة “محمود الشناوي” لبحث خطوة استثمارية جديدة تخص بعض الأملاك المشتركة والمشروعات المطروحة في السوق. كان يتحرك بخطوات واثقة، يرتدي بدلة رسمية أنيقة تعكس ثراءه الهادئ دون مبالغة، وخلفه مساعده الخاص.

لم يكن جبريل يعلم الكثير عن “المديرة الجديدة” للشركة سوى ما يتداوله السوق مؤخراً عن ذكائها وصمتها الحذر، وكان يتوقع، بحكم سنه وتجربته، أن يجد امرأة تختبئ خلف عباءة أبيها وتاريخه لتُدير الأمور من بعيد. تم توجيهه إلى مكتب المدير العام. طرقت السكرتيرة الباب، وأذنت بالدخول. فتحت السكرتيرة الباب، ليرى جبريل امرأة تجلس خلف مكتبها الضخم، غارقة بين الأوراق والخطط الهندسية وحسابات الأصول.

رفعت بشرى رأسها بهدوء، والتقت نظراتهما لأول مرة. كانت عيناها تشعان بثقة بالغة، خالية تماماً من أي تردد أو ارتباك. وقفت بشرى وتقدمت بخطوات ثابتة، ومدت يدها لترحب به بنبرة عملية جافة لكنها راقية:ـ أهلاً بحضرتك يا فندم.. باشمهندس جبريل الجيار؟ أنا بشرى الشناوي، المدير العام للشركة. صافحها جبريل بنظرة متفحصة، شعر فيها بمدى ثقتها من نفسها ، وهز رأسه قائلاً بصوت رجولي عميق:ـ أهلاً بيكي يا مدام بشرى.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق