بشري بقلم اماني السيد

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

لكن المفارقة المريرة، أن قلبه كان يقبضه بشدة؛ شعر بغصة حارقة في حلقه وضيق في صدره وهو يرى المشهد يتداعى أمامه. نظر إلى ابنة عمه، ثم إلى والده وعمه اللذين يوشكان على إخراجه من حياتهما، وتسرب إلى أعماقه إحساس مرعب بالخسارة. أدرك في تلك اللحظة، رغم جحوده، أنه يفرط في شيء ثمين وغالٍ جدًا، .. خسارة كبيرة وصعبة، يعلم تمام العلم في قرارة نفسه أنها لن تُعوض أبدًا مهما حاول .

ولم تمر سوى ساعات ثقيلة ك دهر، حتى قُطع الصمت بطرق على الباب. دخل رجل عمه وخلفه المأذون يحمل دفتره الأسود الذي سيطوي صفحة من عمر رشاد. جلس الجميع في صمت مهيب، ولم ينطق رشاد بحرف واحد؛ فالخوف واللخبطة شلّا لسانه. دارت الإجراءات بسرعة كابوس مخيف، وارتفع صوت المأذون بالصيغة الشرعية ليعلن طلاق رشاد من ابنة عمه “بشرى” طلقة بائنة لا رجعة فيها.

ومع آخر كلمة نطقها المأذون، شعر رشاد وكأن جدارًا سميكًا قد انهار بينه وبين عزوته. أغلق المأذون دفتره وقام ليرحل، وهنا وقف الأب، ونظر إلى رشاد بنظرة حادة خالية من أي عاطفة أبّوية، وأشار بيده نحو الباب قائلًا بنبرة آمرة قاطعة:ـ ارمي اليمين وخد حاجتك والست اللي أنت جايبها دي واطلع برة البيت دة.. مالكش قعاد وسطنا تاني.

ودلوقتي قبل بكرة، تجهز كل حقوق بشرى كاملة مكملة، قرش ينطح قرش، وملمحكش تلمح طيفها أو تتعرضلها بكلمة، وإلا هتشوف مني وش عمرك ما حلمت بيه في كوابيسك. لم يجد رشاد مفرًا من الانصياع؛ فالأمر قُضي والجسور كلها قُطعت. هز رأسه بالموافقة مجبرًا وهو يبتلع غصته، ثم تحرك بخطوات ثقيلة ليجمع أشياءه الخاصة في حقيبة صغيرة وسط نظرات الاحتقار التي حاصرته من أبيه وعمه.

خرج رشاد من باب الشقة يجر أذيال الخيبة ورائه، وخلفه تسير “ندى” زوجته الجديدة بخطوات سريعة، ملامحها هادئة تداري وراءها نشوة الانتصار بعد أن خلى لها الجو تمامًا. ركبا السيارة في صمت مطبق، وتوجها إلى شقتهما الجديدة لتبدأ حياتهما معًا، تاركين خلفهما عائلة انقسمت، وكرامة جُرحت، وخسارة فادحة ستظل تطارد رشاد في كل لحظة يقف فيها وحيدًا.

فتحت ندى باب الشقة الجديدة، ودخلت بخطوات واسعة تتفحص الأرجاء بعينين تلمعان بالرضا، وكأنها تضع يدها أخيرًا على غنيمتها. أما رشاد، فدخل يجر قدميه جرًا، ألقى بحقيبته الصغيرة على أول مقعد قابله، وارتمى على الأريكة وهو يمسح وجهه بكفيه بأنفاس متلاحقة، يحاول استيعاب السرعة الرهيبة التي تحولت بها حياتهتحركت ندى بنعومة وجلست بجواره، وضعت يدها على كتفه وقالت بنبرة هادحة تحاول فيها رسم الحنان:ـ مالك يا حبيبي؟

اهدى كده واحمد ربنا إن الموضوع عدا على خير.. المهم إننا بقينا مع بعض في بيتنا، ومفيش حد هيقدر ينكد علينا تاني ولا يفرض عليك عيشة مش حاببها. رفع رشاد رأسه ونظر إليها، ورغم أنه اختارها بملء إرادته وضحى بكل شيء من أجل هذه اللحظة، إلا أن كلامها لم يلمس قلبه. غلبت عليه نبرة الجفاء والضيق وهو يجيبها:ـ عدا على خير؟ أنتِ مش مستوعبة اللي حصل يا ندى؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق