بشري بقلم اماني السيد

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

تحرك رشاد بكل ما يملك من سيولة، بل وقام برهن بعض أصول شركته ليدخل المناقصة بقوة، متنازلاً عن هامش ربحه بالكامل، فقط ليقدم سعراً أقل لا يمكن لشركة الشناوي أن تنافسه فيه دون خسارة. يوم إعلان نتيجة المناقصة، كان رشاد يجلس في مكتبه يرتشف سيجاره بغرور، حتى رن هاتفه من أحد معارفه في لجنة البت:ـ مبروك يا رشاد بيه.. المشروع رِسي عليك، فرق السعر بتاعك صدم الكل، حتى جبريل الجيار وبشرى الشناوي معرفوش يجاروه.

أغلق رشاد الخط وضيق عينيه بابتسامة انتصار خبيثة. التقط هاتفه على الفور، وبأصابع ترتجف من الحماس، طلب رقم بشرى الذي لم يمحُه يوماً من ذاكرته. في مكتبها، كانت بشرى تجلس مع جبريل يراجعان ميزانية الشركة بعد خسارة المناقصة. لم تكن ملامح بشرى منكسرة، بل كانت هادئة للغاية، بينما كان جبريل ينظر إليها بتقدير وهو يقول:ـ أنا فخور بيكي يا بشرى.. إصرارك إننا ماننزلش بالسعر عن الحد الآمن حمانا من ريسك كبير.

اللي عمله رشاد ده انتحار تجاري، هو داخل يخسر بس عشان يثبت حاجة. في هذه اللحظة، اهتز هاتف بشرى برقم رشاد. نظرت إلى الشاشة للحظات، ثم رفعت عينيها نحو جبريل وكأنها تستأذنه. أومأ جبريل برأسه متفهماً ونهض بهدوء ليقف عند النافذة، معطياً إياها مساحتها الخاصة. فتحت بشرى الخط، ووضعت الهاتف على أذنها دون أن تنطق بكلمة واحدة.

جاء صوت رشاد من الطرف الآخر، متلهفاً، يحمل خليطاً من الغرور المصطنع والمشاعر المكبوتة:ـ ألو.. بشرى؟ ألف مبروك عليا المشروع الجديد.. أظن سمعتي النتيجة؟ظلت بشرى صامتة، فتابع رشاد بنبرة بدأت تتخلى عن قناع العمل وتتحول إلى الرجاء:ـ بشرى.. أنا عارف إنك سامعاني. أنا مخدتش المشروع ده عشان الفلوس، أنا خدته عشان أثبتلك إني لسه واقف على رجلي، وعشان أقولك إن مكيرمكش ولا يعليكِ في السوق ده غيري.

. الجيار ده بيستغلك، بيستغل اسم عيلتك وعقليتك عشان يكبر على قفاكي. تنفس رشاد بعمق، ثم قال بصوت خفيض وندم حقيقي:ـ بشرى.. أنا غلطت، ونهى كانت غلطة عمري وبنهي كل حاجة معاها دلوقتي. أنا مش قادر أنساكي، ولا قادر أشوفك مع غيري. ارجعيلي يا بشرى.. ارجعي لبيتك ومكانك، والشركة دي والمشروع الجديد ده كله هيبقى تحت إيدك وتحت أمرك، بس نفتح صفحة جديدة.

طوال حديثه، كانت بشرى تستمع بملامح جامدة كالصخر، لم تهتز فيها شعرة واحدة، ولم تجد في قلبه أي أثر للوجع القديم؛ بل شعرت بشفقة شديدة على صغره. أبعدت الهاتف عن أذنها وقامت بتشغيل “المكبر الصوتي” (الاسبيكر) ليرتفع صوت رشاد في الغرفة، ونظرت إلى جبريل الذي التفت إليها بابتسامة هادئة وواثقة. ردت بشرى أخيرًا، بنبرة صوت باردة، حاسمة، ومميتة لأي أمل بداخلة:ـ خلصت كلامك يا رشاد؟..

أولاً، مبروك عليك المشروع اللي واخدة بخسارة وراهن فيه شركتك عشان بس ترضي نقصك، السوق مبيحترمش اللي بينتحر تجارياً عشان “لقطة”. ثانياً، الباشمهندس جبريل الجيار أكبر بكثير من تفكيرك المريض، وده شريكي اللي سندي وعرّفني قيمتي اللي إنت دايست عليها. ثم أخذت نفساً عميقاً وأضافت بكلمات سددتها كالسـهام:ـ ثالثاً وأخيراً.. بشرى اللي كانت بتتنازل عشان ترضيك ماتت ويوم ما خرجت من باب بيتك اتدفنت.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق