. ست البيت ده، وكلمتها من كلمتي. الشبكة اللي بتسألي عنها يا مدام نوال، حزام دهب وست غوايش بيتربطوا في معصمها بكرة الصبح قدام شيخ البلد.” نوال فتحت بقها من الصدمة، وداليا وشها اصفرّ. كمل راشد وهو بيبص لأبوها مباشر: “وأما الأصول.. فالأصول إن الست اللي تخرج من بيت ما صانهاش، تدخل بيت يصونها ويشيلها على الراس. سلمى مش محتاجة حد يطمن عليها.
. سلمى هي اللي بقت بتطمن على البيت ده كُله.” وبعدين بص لنوال وقال قاطعة: “الباب ده ما يتخبطش بالطريقة دي تاني.. بيت المنشاوي له حرمة، ومراتي ليها مقام. اتفضلوا مع السلامة.” ولف راشد ضهره وقفل البوابة الحديد التقيلة في وشهم، يسيبهم واقفين في الطين والمطر، الصدمة شالة ألسنتهم. دخل راشد الدوار، قفل الباب الخشب، ولف لسلمى اللي كانت واقفة عند الممر، سمعت كل كلمة قالها.
عينيها كانت مليانة دموع.. بس مش دموع قهر، كانت دموع رد الاعتبار. قرب منها راشد، وقف قصادها بوقار، وقال بهدوء: “الحسابات خلصت يا سلمى؟” سلمى مسحت طرف عينها بسرعة، وابتسمت ابتسامة صافية، وعينها بثبات في عينه: “خلصت يا حاج.. ومن بكرة، الدفاتر كلها هتتظبط.” مرت كام شهر على الجوازة دي، والبيت القديم اللي كان فاضي بقى فيه روح وحياة.
الشمس كانت طالعة دافية في نهار يوم شتوي هادي، وصوت عصافير الجنينة داخل من شبابيك الأوضة الكبيرة. سلمى كانت قاعدة على السفرة النحاس، قدامها دفاتر الحسابات، وفي إيدها القلم. شكلها اتغير تماماً؛ هدوء وثقة في ملامحها، وشال حرير خفيف على كتفها، وفي إيدها لمعة الذهب اللي جابوهولها من المركز. أم صابر دخلت الصالة وفي إيدها صينية عليها فطير مشلتت دافي وعسل، حطتها بابتسامة صافية: * “تسلم إيديكي يا ست سلمى، الحسابات بتاعة التاجر اللي جه الصبح طلعت مظبوطة بالميعاد، الحاج راشد كان طاير بيكي من الفرحة وهو طالع المزرعة.
” سلمى ابتسمت ابتسامة هادية وهي بتقلّب الصفحة: * “الحمد لله يا أم صابر.. المكان هنا فيه خير كتير، بس كان محتاج شوية تنظيم مش أكثر.” في اللحظة دي، اتسمع صوت خبط خفيف ومتحدد على البوابة البرانية. معوض فتح، ودخلت نوال ومعاها داليا. المرادي ما كانوش داخلين بعصبية أو بقلة قيمة زي المرة اللي فاتت.
نوال كانت ماشية بتتلفت حواليها بذهول، عينيها بتاكل النظافة والترتيب اللي بقى في الدوار، وشجر الموالح اللي تقلم وتظبط، والدفء اللي مالي المكان. وداليا كانت ماشية وراها بكسرة عين حقيقية، أخيرًا استوعبوا إن سلمى مش راجعة، وإن المكان ده بقى ملكها. سلمى رفعت عينها من على الدفتر. ما قامتش تجري، ولا اتوترت. فضلت قاعدة بمقامها، وشاورت لأم صابر بهدوء: * “هاتي كباية شاي للضيوف يا أم صابر.
” نوال قربت بخطوات متسلسلة، وقعدت على طرف الكرسي بتودد مصطنع وصوت حنين غريب: * “إزيك يا سلمى يا بنتي؟ قلبي كان أكلني عليكي، قلت أجي أطمن عليكي بنفسي ونشوف احتياجاتك.” سلمى بصلتها بنظرة هادية جداً، مفيهاش أي غل، بس فيها مسافة أطول من السكة بين بيت أبوها والمزرعة: * “الحمد لله يا مرات أبويا.. أنا في خير ونعمة، والحاج راشد مش مخلي بيته محتاج حاجة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.