” راشد ما اهتمش بحدة أم صابر، بص لسلمى وقال بصوت آمر بهدوء: * “اطلمي فوق يا سلمى، اغسلي وشك وارتاحي عقبال ما أناديكي نكتب الكتاب.” طلعت سلمى السلم الخشب اللي بيزيق تحت رجليها بهدوء، وأم صابر ماشية وراها بتمتمة مش مفهومة. أول ما دخلت الأوضة الكبيرة، شافت سرير ضخم من الخشب القديم، ودولاب كبير ومكتبة مليانة دفاتر حسابات وكتب. الأوضة كان فيها ريحة خشب الصندل مع ريحة شتا قديم.
وقفت سلمى قدام المراية الكبيرة اللي في الأوضة. بصت لوشها.. الهالات السودة تحت عينيها، شفايفها المشققة من البرد، وطرحتها السمرا العادية. مسكت الطرحة فكتها، وشالت الدبوس، ورتبت شعرها الأسود التقيل اللي كان ملفوف بإهمال. سمعت صوت رجالة تحت.. صوت الحاج متولي شيخ البلد وهو بيكبر ويقول: * “مبروك يا راشد يا ابن الأصول.. والله وعملت الصح، الست الأصيلة ملهاش غير الراجل الأصيل.
” قلب سلمى دقاته بقيت تسمعها في ودانها. مسكت صندوق الخياطة الصغير بتاعها، طلعت منه مفرش دانتيل أبيض صغير كانت مفرغاه بإيدها زمان وشايلاه للظروف. حطته على التسريحة قدام المراية، وحطت فوقه ميدالية المفاتيح الحديد. المفرش الأبيض وسط الخشب الغامق كان باين زي نقطة نور.. أول أثر ليها في البيت. الباب اتخبط، وصوت راشد جه من وراه، نبرة صوته كانت مختلفة، فيها حزم بس مليانة احترام: * “انزلي يا سلمى.
. المأذون مستني توقيعك.” نزلت سلمى السلم خطوة بخطوة، مسكت القلم ببياتها وإيدها ثابتة، وقعت اسمها جنب اسم “راشد أحمد المنشاوي”. ولما المأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”.. لفت نوال وداليا ومراة عمها كانوا بيحاولوا يعرفوا الأخبار من بتوع الدكانة اللي قدام بوابات المزرعة. الخبر نزل على قرية المنوفية زي الصاعقة.. سلمى “العاقر المنحوسة” بقت هي ست بيت المنشاوي، وبقت المفاتيح في إيدها، والراجل اللي هابوه الكبار.
. بقى هو دفاعها وسندها قدام الدنيا كلها. الخبر انتشر في البلد زي النار في الحطب. في أقل من ساعة، كانت دكاكين القرية ومصاطب البيوت مفيش على لسانها غير حكاية “سلمى” اللي خرجت من بيت أبوها بشنتين قماش، ودخلت بيت المنشاوي وهي ست المكان. في الدوار تحت، المأذون قفل الدفتر، والحاج متولي شيخ البلد قام سلم على راشد وضغط على إيده بحرارة: “مبروك يا راشد يا ابن الأصول..
صنتها وصنت نفسك، وربنا يجعله جيزة العمر ويباركلك في بيتك.” راشد هز راسه بهدوء ووقار: “الله يبارك فيك يا حاج.. عقبال أولادك.” أول ما الضيوف خرجوا والباب الكبير اتقفل، خيم الهدوء على الصالة تاني. أم صابر كانت واقفة عند زاوية المطبخ، لافة دراعاتها على صدرها وبتبص لسلمى بنظرة شفرتها مش مفهومة؛
خليط من الذهول والغيرة على مكانتها في البيت اللي كانت بتديره لوحدها من خمس سنين. راشد لف لسلمى، بص في عينيها بثبات، وبعدين اتجه ناحية أم صابر وقال بنبرة هادية بس مفيهاش مجال للنقاش: “يا أم صابر.. من النهاردة، سلمى هي صاحبة البيت ده. الكلمة كلمتها، والمفاتيح في إيدها. أي حاجة تخص المطبخ أو البيت ترجعي فيها ليها الأول.” أم صابر بلعت ريقها بالعافية، وشها اتشد، بس هازت رأسها بقلة حيلة: “أمرك يا حاج..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.