نوال كانت قاطعة الخلف، واقفه ورا الستارة بتبص. فتحت باب الأوضة، طالعة ماسكة شنطتي القماش الصغيرة في إيدي. ما كانش عندي غيرها. هدوم بسيطة، ومصحف، وصندوق الخياطة. الباب اتخبط خبطتين هاديين. أبويا قام فتح. راشد كان واقف، لابس جلابيته الصوف الكحلي، وشاله الأبيض ملفوف بدقة حولين رقبته. عيونه كانت ثابته، هادية، بس فيها صرامة ما بتتهزش. بص لأبويا وقال بصوت متزن: * “صباح الخير يا عبد الرحمن.
” أبويا بلع ريقه: * “صباح الخير يا أستاذ راشد… أنتَ مصمم؟” راشد بصلي وأنا طالعة من الممر الضيق، عينه نزلت على الشنطة الصغيرة اللي في إيدي، وبعدين رجعت لوشي. ما سألش عن مؤخر ولا شبكة ولا كتب كتاب بزيطة. * “المأذون مستنينا في الدوار يا عبد الرحمن. كتب الكتاب هيتم هناك، ومعانا حاج متولي شيخ البلد واثنين من كبارات المنوفية. بنتك هتدخل بيتي بكرامتها، وعلى سنة الله ورسوله.
” نوال طلعت من ورا الستارة، مسحوبة من لسانها بس صوتها كان فيه خوف واضح: * “والجهاز؟ والهدوم؟ والـ…” راشد قطع كلامها بنظرة واحدة، هادية بس أتقل من الجبل: * “حاجة سلمى اللي تلزمها جوة بيتي هي اللي هتاخدها بس. بيتي مش ناقصه عفش… بيتي كان ناقصه صاحبة بيت.” لفت وشي لأبويا. قربت منه، بوست إيده. أبويا دموعه نزلت على خدوده، حط إيده على راسي وقال بصوت يترعش: * “سامحيني يا سلمى… يا بنتي سامحيني.
” * “مسامحاك يا بابا. ادعيلي بس.” خرجت ورا راشد. الهواء الساقع ضـ,ـرب وشي، بس لأول مرة من سنتين حسيت إني بتنفس هواء نضيف. فتحلي باب العربية بنفسه، ركبت، وقفل الباب بهدوء، وبعدين لف وركب جن في كرسي السواق. دور العربية ومشيت. بصيت في المراية الجانبية، شفت نوال وداليا واقفين في الشباك، أشكالهم كانت صغيرة أوي وهم بيبصوا للعربية وهي بتبعد وتخوض في طين الشارع.
العربية فضلت ماشية بينا حوالي ربع ساعة بين الغيطان والأراضي الممدودة على المدى. الصمت كان سيد الموقف، بس ما كانش صمت يخوف… كان صمت مريح، زي الهدوء اللي بييجي بعد العاصفة. لحد ما العربية وقفت قدام بوابة حديد ضخمة، وراها بيت كبير مبني بالدبش الأبيض وسط أرض واسعة مليانة شجر موالح ومزارع. راشد بطل المكنة، وبصلي. مسك الدركسيون بإيديه الاثنين ورجع ضهره لورا. * “سلمى.” بصيت له: * “نعم؟
” * “البيت ده فيه عمال، وفيه مواشي، وفيه رزق كتير ربنا كاتبهولنا. وفيه حريم قرايبي بييجوا ويروحوا، وكل وحدة فيهم فاكرة إن ليها حق تمشي كلامها هنا لأن المكان ملوش ست من خمس سنين.” سكت لحظة، وعينيه كانت بتدرس رد فعلي. * “أنا مش جايبك هنا عشان تتداري من كلام الناس. أنا جايبك هنا عشان أنتِ اللي تمسكي المفاتيح دي.” طلع من جيبه ميدالية حديد ثقيلة فيها مفاتيح البيت والمخازن، وحطها على التابلوه بيني وبينه.
* “لو خايفة، قوليلي من دلوقتي وأنا أرجعك بيت أباكي مكرمة.” مديت إيدي، أخدت المفاتيح. حديدها كان ساقع بس وزنها كان بيحسس بالأمان. مسكتهم جامد في إيدي وابتسمت له ابتسامة صغيرة، أول ابتسامة تطلع من قلبي من يوم ما حسام مـ,ـات. * “أنا مش خايفة يا أستاذ راشد… اللي عاش في الجحيم سنتين، ما يخافش من بوابات الجنة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.