مرات أبويا انجي الخطيب

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

“مين هيقبل واحدة أرملة ومابتخلفش ؟” قالت مرات أبويا الجملة دي وأنا قاعدة على بُعد كام خطوة منها. ولا حتى حاولت توطي صوتها. هي عمرها ما كانت بتوطي صوتها لما يكون قصدها تجرحني. كان الجو بره شتا، والمطر بيخبط جامد على إزاز شبابيك البيت القديم في قرية صغيرة على أطراف المنوفية، والهواء كان بيزق في الشبابيك الخشب لدرجة إن الإزاز كان بيرتعش.

وأنا كنت قاعدة في هدوء بخيط هدومي. غرزة. وبعدها غرزة تانية. كل ما عيني تفضل على الإبرة، كل ما أقدر أتجنب إني أبص في وش مرات أبويا. اسمي كان “سلمى عبد الرحمن”. عندي أربعة وعشرين سنة، وأرملة من سنتين، وبالنسبة لمعظم أهل البلد، حياتي كانت انتهت من يوم ما جوزي مـ,ـات. جوزي الأول، “حسام”، مـ,ـات في حـ,ـادثة وهو راجع من الأرض. اتجوزنا سنة وأربع شهور بس. وماخلفناش.

وده بالنسبة لعيلته كان كفاية جدًا عشان يحكموا عليّا. بعد جنازته بحوالي تلات أسابيع، أمه قالتلي بمنتهى البرود: “الست المحترمة لازم تسيب وراها عيل.” وإخواته أخدوا البيت، بحجة إنه ملك للعيلة من زمان. رجعت بيت أبويا وأنا شايلة شنطتين بس، ومعاهم سمعة أنا عمري ما استاهلتها. عاقر. ناشفة. منحوسة. ما بتخلفش. كلام الناس في البلاد الصغيرة بيمشي أسرع من الحقيقة.

وأختي من مرات أبويا، “داليا”، كانت واقفة جنب الشباك يومها، لابسة فستان جديد لونه أخضر. بصتلي وابتسمت ابتسامة مستفزة. وقالت: “حتى الراجل الغلبان نفسه في حتة عيل يخلفه.” أبويا قال بصوت ضعيف: “داليا… خلاص.” لفتله وقالت: “خلاص إيه؟ أنا بقول الحقيقة.” أبويا، “عبد الرحمن”، نزل عينه في الأرض. وده كان كل دفاعه عني.

يبص في الأرض. يقول كلمتين مترددين. وبعدين يسكت. مرات أبويا، “نوال”، شبكت صوابعها قدام صدرها وقالت: “إحنا مش هنقدر نفضل شايلين سلمى طول العمر.” بصيتلها وقلت بهدوء: “أنا بشتغل.” ضحكت بسخرية. “بتخيطي هدوم يعني؟” “وبساعد بابا في الحسابات.” قالت: “وبتاكلي كمان.” الجملة نزلت عليّا أتقل من أي شتيمة. بصيت لأبويا. مستنية منه كلمة واحدة. لكنه ما قالش حاجة. وفجأة… خبط حد على الباب. مش خبطة عادية. تلات خبطات تقيلة، خلت كل اللي في البيت يسكت.

الخدامة راحت فتحت الباب. وكان واقف على العتبة راجل طويل وعريض، لابس جلابية صوف تقيلة فوقها جاكت شتوي غامق، وجزمته عليها تراب من الطريق. وشه كان مسمر من الشمس، وملامحه هادية لكن فيها هيبة تخلي أي حد قدامه يحسب كلامه قبل ما يتكلم. أنا عرفته فورًا. “راشد المنشاوي.” أكبر صاحب أراضي ومواشي في المنطقة. كان عنده مزارع كتير، وبيملك أرض واسعة في أطراف البلد، ومخازن غلال، ومزرعة مواشي كبيرة، وعمال بالعشرات شغالين عنده.

الناس كلها كانت عارفة حكايته. مراته مـ,ـاتت من خمس سنين، ومن يومها وهو رافض كل محاولات الجواز اللي كانت بتجيله. أبويا قام بسرعة من مكانه. وقال: “يا أهلا يا أستاذ راشد.” راشد شال الجلابية عن كتفه شوية وخلع الطاقية الصوف من على راسه. وقال: “إزيك يا عبد الرحمن؟” مرات أبويا اتغيرت ملامحها في ثانية.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

وهم الحب لامنيه روايات

وهم الحب لامنيه

كنت داخله بيت خالتي وانا سامعه صوت زغاريط قلبي دق پخوف مين اللي هيتجوز يارب ميكنش هو يارب …

Norhan Mohamed 0.0 6 دقائق