تلف حوالين العربية وفتح لها الباب، ومد إيده عشان تساعدها تنزل على الطين اللي مالك العتبة قدام البوابة. مسكت إيده لأول مرة. كانت إيده خشنة ودافية، قبضة راجل عارف قيمة شقاه، مش خايف من حاجة ولا مستني إذن من حد. أول ما رجليها لمست الأرض، طلع اتنين عمال من جوة المزرعة بيجروا، لابسين جلابيب صوف وسديريات غامقة.
واحد منهم قرب بلهفة ودماغ متوطية: * “مبروك يا حاج راشد، مبروك يا باصا.. البيت نُوّر، ربنا يجعله قدم السعد عليك وعلى الست هانم.” راشد رد بهدوء ونبرة قاطعة: * “الله يبارك فيك يا معوض. خُد الشنطة دي طلعها فوق في الأوضة الكبيرة، وبلّغ أم صابر تطلع تجهّز الفطور للست.” معوض شال الشنطة القماش الصغير بصدمة مكتومة، عينه جت على الشنطة الفاضية تقريباً وبعدين على سلمى، بس نظرته لراشد خلته يبلع أي استغراب ويمشي بسرعة.
مشي راشد قدامها، ودخلت سلمى وراه من البوابة الحديد. المكان كان واسع بجد.. جنينة كبيرة فيها شجر برتقان ويوسفي ريحته مالية الهواء الشتوي، ووراه الدوار الكبير المبني بالطوب الحراري، بباب خشب أرو عريض ومقابض نحاس بتلمع. أول ما خطت العتبة، حسّت بالدفء بياكل برودة أطرافها. الصالة جوة كانت مفروشة بسجاد يدوي تقيل، وفي النص طقطوقة خشب كبيرة عليها صينية نحاس، بس المكان كان باين عليه طابع الرجالة.
. نظيف، بس فاضي من الروح. مفيش مفرش متطرز، مفيش فازة ورد، مفيش حركة ست تلمس الركن ده أو تمسح التراب من على الصور. قعد راشد على كراسي الخيزران العريضة، وشاور لها تقعد قصاده. * “ارتاحي يا سلمى.. البيت بيتك من اللحظة دي.” سلمى فضلت واقفة، ماسكة ميدالية المفاتيح التقيلة في إيدها، وبصت حواليها وبعدين بصت له: * “أنا مش جاية أرتاح يا حاج راشد.
. أنا جاية أعيش، واللي بتعيش في بيت لازم تسيب فيه أثرها.” راشد رفع حاجب واحد، وبانت على وش الملامح الصارمة ابتسامة خفيفة أوي، كأن كلامها لمس حاجة كان مستنيها من سنين: * “وأنا مش همنعك.. المفاتيح في إيدك، والبيت بيتِك، والعمال تحت أمرك. بس قبل أي حاجة.. كتب الكتاب كمان ساعة.” سلمى بلعت ريقها: * “بالسرعة دي؟
” قام راشد وقف، وقرب منها خطوتين، وشه بقى قصاد وشها تماماً، وصوته كان واطي بس فيه هيبة تخلي القلب يدق: * “عشان لما تقعدي معايا على السفرة دي بليل، تقعدي ورأسك مرفوعة.. ومفيش لسان في البلد كلها يسترجي يهمس بكلمة واحدة عن وجودك هنا. المأذون والشهود على وصول.” في نفس اللحظة، اتفتح باب المطبخ الداخلي، وطلعت ست كبيرة في السن، جسمها مليان وشالها أبيض، هي “أم صابر” اللي شغال في البيت من أيام المرحومة مراته.
بصت لسلمى من فوق لتحت بنظرة فيها تقييم وحيرة، وحطت صينية الشاي على الترابيزة بحدة خفيفة وقال: * “صباح الخير يا حاج.. الشاي جاهز، والمأذون وصل عند البوابة البرانية ومعه الحاج متولي.” راشد ما اهتمش بحدة أم صابر، بص لسلمى وقال بصوت آمر بهدوء: * “اطلمي فوق يا سلمى، اغسلي وشك وارتاحي عقبال ما أناديكي نكتب الكتاب.” طلعت سلمى السلم الخشب اللي بيزيق تحت رجليها بهدوء، وأم صابر ماشية وراها بتمتمة مش مفهومة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.