” نوال قربت بخطوات متسلسلة، وقعدت على طرف الكرسي بتودد مصطنع وصوت حنين غريب: * “إزيك يا سلمى يا بنتي؟ قلبي كان أكلني عليكي، قلت أجي أطمن عليكي بنفسي ونشوف احتياجاتك.” سلمى بصلتها بنظرة هادية جداً، مفيهاش أي غل، بس فيها مسافة أطول من السكة بين بيت أبوها والمزرعة: * “الحمد لله يا مرات أبويا.. أنا في خير ونعمة، والحاج راشد مش مخلي بيته محتاج حاجة.
” داليا قعدت جنب أمها، بصت لإيد سلمى وللغوايش الدهب، وقالت بنبرة خافتة خالية من السخرية بتاعة زمان: * “البيت بقى شكله حلو أوي يا سلمى.. الناس في البلد كلها مبقاش حيلتهم غير الكلام عن شطارتك في حسابات المزرعة، وعن هيبة الحاج راشد وهو بيمشي كلامك قدام الكل.” سلمى حطت القلم على الدفتر، وبصت لداليا مستقيمة: * “عشان الراجل الأصيل لما بيدي الأمان لست، بيخليها تقف على حيلها.
. مش بيكسرها يا داليا.” الكلام نزل على نوال وداليا زي المية الساقعة. نوال بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تغير الموضوع: * “أصل أبوكي عبد الرحمن رجله تعبانة شوية، وكان يتمنى يزورك بس…” قبل ما تكمل جملتها، اتفتح باب الدوار الخشب. دخل راشد. هيئته العريضة وجلابيته الكحلي النظيفة وهيبته المعتادة ملأت المكان. أول ما شافهم واقفين، خطواته تهادت. بص لنوال ولداليا بنظرة واحدة جافة، وبعدين تحولت عينه فوراً لسلمى، والجمود اللي في وشه اتفك لراحة ودفء حقيقي.
قرب راشد من السفرة، حط إيده على حرف الدفتر اللي قدام سلمى، وقال بنبرة واضحة سمعت الكل: * “صباح الخير يا ست البيت.” سلمى رفعت عينها وابتسمت له: * “صباح النور يا حاج.. نورت البيت.” راشد بص لنوال وقال بجفاف ومقام عالي: * “أهلاً يا مدام نوال.. عبد الرحمن عامل إيه؟” نوال قامت وقفت بسرعة بتوتر: * “الحمد لله يا حاج راشد.. إحنا كنا مجرد بنطمن على سلمى وماشين على طول.
” راشد هز راسه هزّة خفيفة من غير ما يعزم عليهم يقعدوا: * “سلمى في بيتها وفي حمايا، وتطمنوا عليها في أي وقت.. بس الأصول تقول إن الست لما تتقدر في بيت راجلها، كلام القيل والقال يتقفل للأبد.” نوال هزت راسها بسرعة: * “معلوم يا حاج.. الأصول عارفينها.” طرد أنيق وغير مباشر، بس خلى نوال وداليا يلموا كرامتهم ويخرجوا بخطوات سريعة من البوابة، وهم شايفين سلمى قاعدة جنب راشد، إيدها في إيده، والصورة اللي حاولوا يكسروها سنتين.
. بقت هي أصل القوة والستر في البلد كلها. أول ما الباب اتقفل، راشد سحب الكرسي وقعد جنب سلمى، بص للدفتر وبعدين بص لعينها: * “تعبوكي؟” سلمى هزت راسها بنفي وهي بتحط إيدها على إيده الخشنة: * “مفيش حاجة تقنياريد توليد صورة تعبر عن الاحداث في البارت دا تكون صورة واضحة وعالية الجودة مقاس صورة 1080 × 1080 بكسل نسبة العرض: 1:1 “مين هيقبل واحدة أرملة ومابتخلفش ؟
دي حتى لو اتجوزت الراجل هيكون عايز منها إيه؟” قالت مرات أبويا الجملة دي وأنا قاعدة على بُعد كام خطوة منها. ولا حتى حاولت توطي صوتها. هي عمرها ما كانت بتوطي صوتها لما يكون قصدها تجرحني. كان الجو بره شتا، والمطر بيخبط جامد على إزاز شبابيك البيت القديم في قرية صغيرة على أطراف المنوفية، والهواء كان بيزق في الشبابيك الخشب لدرجة إن الإزاز كان بيرتعش.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.