الراجل اللي شال عني حبل المشنقة والفضيحة من ٣٥ سنة، ودفع التمن من شبابه وعمره ونور عينيه عشان أنا أعيش وأتعلم وأبقى الجراح اللي انتي فخورة بيه!" بصلي ومسك إيدي كأني طوق نجاة، وقال بنبرة فيها أمر ورجاء في نفس الوقت: ـ "مفيش دقيقة تضيع.. عربيتي الخاصة تحت أمرك، ومعاها طاقم مسعفين مجهزين، يروحوا يجيبوه من بيته فوراً.. لا، أنا اللي هروح بنفسي أجيبه على كتافي!
" قلتله بخضة وأنا بفرك إيدي: ـ "يا دكتور أبويا لو شاف لحضرتك ممكن يتصدم، هو ميعرفش إني جيت هنا أصلاً، ده غير إنه رافض يخرج من البيت بسبب حالته النفسية السيئة بعد ما العتمة غطت عينيه وبقى حاسس إنه عبء عليا." قالي بنبرة أب حنون: ـ "عشان خاطري يا بنتي..
اسبقيني إنتي في عربيتي، مهدي له الموضوع براحة، قوليله بس إن (ابن العمدة) اللي هو فداه بروحه زمان، مستنيه عشان يردله الأمانة اللي في رقبته من سنين.. روحي بسرعة وأنا مجهز أوضة العمليات وأكبر جناح في المستشفى تحت أمره، بس لازم ييجي النهاردة، أنا مش هنام غير لما عبد الرحمن شاكر يرجعله نور عينيه!
" نزلت من المستشفى وأنا حاسة إني في حلم. ركبت العربية المرسيدس السودا الفخمة اللي السواق فتحلي بابها باحترام شديد كأني أميرة. طول الطريق وأنا ببص من الشباك، بفتكر الست العجوزة اللي اديتها الألف وثمانمية جنيه، وبفتكر دعواتها اللي طالعة من قلب محروق: "ربنا يقيم لك سوق الحظ من وسع ويفتح لك الأبواب المقفولة".
الباب مش بس اتفتح، ده اتخلع من مكانه! ربنا سبحانه وتعالى كريم أوي، بيسبب الأسباب بطريقة تخلي العقل البشري يعجز عن التفكير، ويقين العبد في ربه بيغير مقادير الكون في لحظة. وصلت الحارة بتاعتنا، العربية الفخمة وقفت قدام بيتنا البسيط المتهالك، والناس كلها بتبص بذهول وعلامات الاستفهام على وشوشهم. طلعت السلم جري كأن ليا جناحات، دخلت الشقة، لقيت أبويا قاعد في مكانه المعتاد على الكرسي الخشب القديم، ماسك عكازه، ووشه في الأرض، بيسبح بصمت وهدوء تام.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه. اتنفض بخفة وقالي بصوته الضعيف: ـ "رجعتي يا نور؟ عملتي إيه يا بنتي؟ قلبي كان مقبوض عليكي من ساعة ما نزلتي الفجر، روحتوا للدكتور الجشع ده؟" قعدت تحت رجليه، ومسكت إيده الخشنة اللي شقيت عليا طول العمر وبوستها، ودموعي نازلة غصب عني من الفرحة والرهبة: ـ "يا بابا.
. أنا مروحتش للدكتور ده أصلاً.. ربنا بعتلي دكتور تاني خالص، دكتور كبير أوي ومشهور، حكيت لمراته ظروفنا صدفة.. طلع اسمه الدكتور رؤوف السويفي." أول ما نطقت الاسم.. جسم أبويا اتخشب تماماً كأنه اتضـ,ـرب بصاعقة كهربائية! عكازه وقع من إيده على الأرض بصوت رن في الأوضة الساكتة. عينيه المعتمة اتسعت كأنه شايفني، ووشه اتخطف لونه وبقى أبيض زي الشمع القديم.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.